الاثنين، 14 سبتمبر 2015

her (فضفضة سينمائيّة)

     
     استوقفني كثيرا هذا الفيلم، هزّني كثيرا، أحببته كثيرا. وفور انسحاب الكاميرا وتراجعها الختامي المترافق مع ارتفاع صوت الموسيقى للبدء في استعراض أسماء فريق العمل، أخذتُ نَفَسَا عميقا، وعقدتُ العزم على تكرار مشاهدته. كان عملا رائعا حقّا. تشرّبت كل ثانية فيه، وفهمته كما أفهم أشيائي الخاصّة، ووعيته مثلما أعي أسراري قبل أن أحيطها بالكتمان المتوتر.

     يمكن اختصار قصّته، متوخيّا ألا أحرقه على ما لم يشاهده للآن، حيث يروي قصّة أديبٍ اسمه ثيودور، يعيش فراغا عاطفيّا كئيبا، ربما بسبب انفصاله الحديث عن زوجته التي أحبها بصدق. ولأنه ما يزال يتابع إجراءات الطلاق الذي لم يُنجز بعد، كان الضغط الوجداني عليه شديد الوطأة. زاد حالته سوءا أن طبيعة عمله لا تساعده على التعافي والنهوض من سرير ذكرياته المحمومة، حيث يعمل محرّرا للرسائل الأدبية، خصوصا الرومانسيّة، مما يجعله في قبضة ماضيه العاطفي بشكلٍ دائم. يملء محبرته دمعا، يغمس قلمه في عمق الجرح ويكتب، "رسائلُه منازلُه يعمّرُها بلا سببِ ".

     ولأنه فيلم خيال علمي، كانت شبكة الترابط التقني المتطوّرة تغطّي كامل المسطّح الزمكاني لحياة ثيودور، متغلغلةً في تفاصيله اليوميّة، حتى متعه الجنسيّة صار إشباعها إليكترونيّا. وكل تلك الأنظمة يُتحكّم بها مركزيّا عن طريقة برنامج تشغيل، يتواصل معه ثيودور صوتيّا، بكلمة يراجع إيميله ويرد، بأخرى يحجز في القطار ويؤكّد، وهكذا ينجز سائر أشغاله المعتادة.

     في نظري، لكل فيلم لحظة بداية حقيقية تتأخر بعض الشيء، فيكون ما قبلها مجرد توطئة فقط، بمثابة الشرارة التي تشعل السيناريو، فتدلهمُ الخطوب وتتواتر الأحداث. كانت لحظة البداية هنا عندما اقتنى ثيودور برنامج تشغيل جديد، أكثر تطوّرا وتعقيدا، يتميّز عمّا قبله بالقدرة على التطوّر والنمو ذاتيّا (ذكاء اصطناعي). يشبه من هذه الناحية الذكاء البشري، المكتَسب من خبراتهم وتجاربهم ومعارفهم المتراكمة، طبعا حاصل هذه الأمور هو ما نحن عليه كأفراد، كذوات مستقلّة، إذ الإنسان -كما يقول سارتر- دائما مشروع قيد التشكّل. لذا بدا برنامج التشغيل الجديد وكأنه إنسان تتكامل شخصيّته وتتبلور ذاته كل لحظة، لكنه يفتقد الجسد. حرص المخرج أن يضع هذه الحقيقة أمام المشاهد منذ الدقائق الأولى من لقاء ثيودور بنظام التشغيّل العجيب، وذلك كي يستوعب -أي المشاهد- حيثيات ورطة ثيودور مع "سامانثا"، وهو الاسم الذي اختاره برنامج التشغيل لنفسه، بعد أن اختار ثيودور تأنيثه.

     يُدهش ثيودور بإمكانيات سامانثا الفوق بشريّة، تخطف قلبه بأحاديثها الممتعة والطريفة وابتكاراتها الفذّة : أفكار، رسومات، معزوفات، ألعاب، اقتراحات .. شيئا فشيئا يجد نفسه قد أحبها ! لم يكن واقع ثيودور ثريّا بالعلاقات الإنسانيّة، كان جاهزا للاستلاب في الفضاء الافتراضي المرتقب. باختصار، كان نتيجةً تنتظر سببها لتقع ! ينجرف ثيودور مع عشيقته الافتراضيّة سامانثا التي تزداد أنثويّةً كلما أُولع بها أكثر، فتتمنّى -وهي تخترق شغاف قلبه- أنها تملك جسدا وتضمّه لصدرها، فيذوب ثيودور لسماع ذلك.

     يكتشف بعضُ المقرّبين منه الأمر فيرثون لحاله، الرجل واقع في غرام صوتٍ أنثوي يصدرُه نظام تشغيل. إنسان يفيض أخص مشاعره وأكثرها حميمية على آلة ! يغرق الرجل في لجّة سامانثا، تلوّح له قوارب النجاة، لكنه يغوص مغتبطا، ليصطدم بقعر الهاردسك الصلب، فتتكشّف حبيبته أنها لا شيء، ويدرك متأخرا أنه مفتونٌ بلا أحد، شيء لا حقيقة له، لكن استنفد منه أشياء حقيقيّة، حُشاشة قلبه ولباب روحه. وهنا تكمن مفارقة الفيلم. بدا لي وهو منكبٌ على سامانتا كمن يصنع مشنقته، يركّبها خشبةً فوق أخرى، يصعد درجاتها ويلف الحبل على عنقه، ثم يقفز معوّلا على الحظ وحده، علَّ سامانثا امرأةً حقّا، فتتلقّفه قبل أن يسقط ميّتا !

     معرفتي أن قام بدور سامانتا صوتيّا هي حسناء حقيقيّة، سكارليت جوهانسون، جعلتني أقفُ كمشاهد على أرضٍ صلبة، مطمئنا لسببٍ لا أعرفه، مشفقا على ثيودور وأنا أراه يمشي تحت الشمس على آخر بحيرة متجمّدة، تركها الشتاء قبل أن يغادر. هل كان الفيلم احتجاجا إنسانيّا على توغّل التكنولوجيا ؟ مجرد احتمال. أكثر فكرة ألحّت علي بعد الفيلم، هي : هل أعظم ما في الإنسان هو ذكاؤه أم مشاعره ؟! 

الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

فكّني عليه ! (تأملات في المطاقّ)


     افتقاد الفرد لكثيرٍ من المهارات القتاليّة صار اليوم ظاهرة، وإذا ما نشب عراك بين اثنين تغلّبت عليهم أثناءَه العشوائيّة والانفعال والتشتت، بحيث تكون الضربات المجدية مجرد صدف نادرة وعمياء. لم يعد هنالك من فرقٍ كبير بين اشتباك الأطفال واشتباك الكبار، اللهم في استعمال الأسلحة الناريّة والآلات الحادّة. ما جعل العراك معادلا موضوعيّا للفوضويّة والارتباك والتخبّط، مفارقا -بالضرورة- كل ما يمت للفن والمهارة والعقلانيّة بصلة. ولعله من أسباب انقراض المقاتل البارع. بعبارةٍ أخرى : صار العراك حالةً من الخروج الكامل عن الفعل والممارسة المنتظمة.

     لنشوء الدولة الحديثة علاقة جليّة بالموضوع، بحكم تكفّلها بحفظ أمن الأفراد، وفرضها مسارات معيّنا لمعالجة كل ما ينجم عن سوء تفاهم طارىء، عبر الشرطة والقضاء والسجن. وذلك للحيلولة دون اندلاع أي اشتباك محتمل، وهذا طبعا بعد تجريم الاشتباك نفسه، لأنه تمرّد على سلطة من يُفترض أنها تحتكر العنف، أعني الدولة. كما للتطوّر التقني علاقة بالموضوع أيضا، حيث ابتُكرت أجهزة قلّلت من اعتماد الإنسان على عضلاته، كالمسدسات، والعصيِّ الكهربائيّة، وبخّاخات الفلفل، الخ. هنالك قاعدة تقول إن كل عضو أو مهارة لا تُستخدم، فإنها تصبح عرضةً للضمور والتلاشي. وهذا بطبيعة الحال ينطبق على القتال ومهاراته التي لا يمكن أن تُكتسب بشيءٍ سوى الممارسة على أرض الواقع. لكن ألا يعني كل هذا أن تخلّف الأفراد في إدارة العراك كان في الحقيقة نتيجةً لتقدّم المجتمعات، أنظمةً ومؤسسات !

     لم يعد امتلاك الفرد لمهارات القتال ميزةً ذات بال، فقد تراجعت اليوم أهمّية الفارس (البواردي، المبارز، الخ)، وما عادت ضمن متطلّبات الشرف والصعود للقمّة، حيث تحوّل مفهوم القوّة أصلا، مختزَلا في المال والثقافة والعلاقات، أي كل ما يُكسب نفوذا. هذه هي معايير التفوق حصرا، وبمقتضاها يحتل الفرد موقعه في التراتب الاجتماعي. إنسان اليوم أقل اعتمادا على قواه البدنيّة لإدارة صراعاته وحسم خلافاته، على العكس، صار اعتماده عليها دليلا على كونه ضعيفا، منحطَ المنزلة، نشازا عن القواعد المستجدّة للصراع الاجتماعي.

     ما دام للبشر، أفرادا ومجتمعات، مصالح من طبيعتها التعارض، فالصدام ليس مجرد توقّع. الصراع ثابت، لكن وسائلنا في خوضه وإدارته متغيّرة. إنسان اليوم يبدو مجبرا على ضبط انفعالاته وتكييفها لتتلاءم مع آليات الصراع في مجتمعات اليوم، النزّاعة أكثر فأكثر نحو المأسسة والتنظيم، أي ما يسمّيه فيبر "العقلنة"، عقلنة كل شيء، بما في ذلك العراك الشخصي. مما يعني أن العراك فعل غير عقلاني اليوم، وإن كان معقولا بالأمس. في ظل هذه التصورات والأفكار، كيف نفهم ظهور أندية تعليم فنون ومهارات الدفاع عن النفس ؟ هي معقولة في حدود كونها رياضة، تُقام لها بطولات عالميّة، يتطلّع بعض المنخرطين فيها لإحراز مجدٍ شخصي على منصات التتويج. عدا ذلك، فهي تبيع الأوهام، ولا يلتحق بها سوى مراهقين، سنّا أو عقلا.

الأحد، 30 أغسطس 2015

الموتى المهاجرون*


     يجتمع زعماء الاتحاد الأوروبي مرّة بعد مرّة لدعم البرامج والخطط والمنظّمات المعنيّة بحراسة حدودهم الشرقيّة والجنوبيّة، وتتسابق دوله للتبرّع بسفن وطائرات ومعدّات وخبراء، ربما خشيةً من أن يصيروا جميعا إيطاليا أخرى، تلك الصخرة التي وهت من تكسّر أمواج البائسين. ما يجري في حوض المتوسّط وعلى حدود أوروبا شرقا هي حرب حقيقيّة، شعواء ودمويّة، حاول السياسيّون الأروبيّون عبثا التستّر عليها، لكن تزايد أعداد الضحايا كشف متانة الاجراءات الهادفة لصد جحافل المغيرين، كما كشف تصدّع الشرق الأوسط. بعبارةٍ اخرى : أوروبا تحاول تدارك الآثار الناجمة عن ارتطام أسراب الطيور المهاجرة بسورها التي رفعته توّا، وعلى وجه السرعة، قبل أن تعشعش فوقه.

     سقوط القتلى من المهاجرين بالمئات سيغرق أوروبا في الشرق الأوسط ويورّطها في شؤونه الداخليّة أكثر فأكثر، حيث سيكون ضبطه سياسيا واجتماعيّا واقتصاديّا جزءا لا يتجزّأ من ضبط شؤونها -هي نفسها- سياسيّا واجتماعيّا واقتصاديّا. هذه هي الشروط الأوليّة لأي ضبط أمني يُرتجى، إذ القوّة في الدولة الحديثة مجرد عنصر مكمّل. ومن دون ذلك ستجد أوروبا نفسها في مواجهة حركة نزوح مهولة تستنزف ميزانيّاتها، سواءً قرّرت التصدّي لها أو استيعابها. على هذا النحو يتداخل العالم ويغدو الخارج داخلا، كما حدث في اليمن مثلا، عندما اكتشف الخليجيّون متأخرين أن أمنهم واستقرارهم مشروطٌ بأمنه واستقراره، فخاضوا الحرب الأخيرة دفاعا عن مصالحهم التي كانت لحسن الحظ تصب في مصلحته. تقاطع المصالح هذا أضفى على الحرب صفةً أخلاقيّة، على الأقل في نظر كثيرين (البقيّة يلوكون كلاما إيرانيّا سخيفا).

     من نافل القول إن الانهيارات التي أصابت النظام الرسمي العربي كانت وراء تصاعد معّدلات الهجرة صوب أوروبا، بحثا عن الأمن والخبز، وهي دوافع جد إنسانيّة. هل يتعيّن على أوروبا أن تعمّم نجاحاتها التاريخيّة حتى تنجو من تداعيات فشل الآخرين ؟ بمعنى : هل تقدّمها مرهونٌ بإصلاح أوضاعهم وفك اختناقاتهم ؟ أظنها نتيجةً حتميّة لصيرورة العالم قريّةً واحدة، حيث تغدو الحدود السياسيّة بين الدول حبرا على الخرائط. إن لم تتضافر جهود القوى المسيطرة على العالم لمساعدة هذه المنقطة المنكوبة، فإنها لن تتوقّف عن إنتاج الإرهابيّين والمهاجرين، وهؤلاء ما عادوا بعد اليوم مشكلةً إقليميّة.


______________
* العنوان مقتبس من اسم المسلسل الأمريكي الشهير "الموتى السائرون".


الخميس، 20 أغسطس 2015

حول "جئتكم بالذبح"

للناس في تناول هكذا مواضيع أساليب وطرائق، منها الإدانة وتسجيل النقاط، لكن أنا يستهويني التحليل .. لا شك أن الإسلام دين مسلّح، يخوض الحروب بشراسة، ولا يتردد في حصد رؤوس أعدائه ومصادرتهم حتى آخر شاه في القطيع. لكن لماذا يقوم بكل ذلك ؟ لأنه دين دولتي (نسبةً للدولة، وهو نفس مدلول العبارة المعروفة : الإسلام دين ودولة). الجزء العنيف والدموي من الإسلام هو الجزء المتعلّق بالدولة كشكل للاجتماع الإنساني. ومن المعروف أن السياسة كعلم وممارسة تقوم تحديدا على فصل هذا الجزء من الاجتماع الإنساني عن الأخلاق، على افتراضٍ -أُخذَ كمسلّمة- أن لهذه الظاهرة منطقا خاصّا، يوجب التعامل معها بطريقة مختلفة، وإلا سقطت الدولة واستُبيح مجتمعها. مع كل ما يُنسب إليه -عليه السلام- من خوارق ومعجزات، لم يستطع النبي، ولا غيره، أن يغيّروا من قوانين اللّعبة السياسيّة. لهذا تلطّخوا بالدم، سواءً كان ذلك عن رغبة أم كرها. ومن قراءتي للسيرة النبويّة أستطيع القول بثقة أن النبي لم يكن ميّالا للحروب، وأعتقد أنه من الزعماء الذين -لفرط أريحيّتهم- يُتوقّع منهم تقديم تنازلات ليس هنالك ما يضطرّهم إليها. مع كل ما يُروى عن حِلّمه وسماحته ورحمته -وهو حقيقي في رأيي-، لكن كان لديه عصابات لقطع الطرق التجاريّة، وفرق للاغتيال، وكتائب منظّمة، وفرسان متمرّسين، وخطط لمحاصرة القرى والبلدات قبل اجتياحها، كما -كأعدائه- لا يتورّع عن السبي والاسترقاق. للنبي محمد قلب عصفور، لكن حينما يسلَّ سيفه ترف فوق رأسه أجنحة الصقور. "جئتكم بالذبح" كان وعيدا موجّها لكيانات سياسيّة، يطلقه زعيم سياسي من موقع قوّة. الحرب عضو غير غريب في جسد السياسة، بل هي سياسة لكن بأدوات أخرى، كما يقول كلاوزيفتيز. العنف السياسي ما كان ابتداعا محمّديا. حسنا، أظننا عثرنا على أصل العنف في الإسلام، عرفنا سبب وجود السيف في صندوق الوحي المحمّدي، فهل يمكن تجريد الإسلام من سلاحه في الوقت الحاضر، باعتباره عقيدةً أولا وقبل كل شيء ؟ أتكلّم على المستوى النظري، أي النصوص والمعتقدات. الحقيقة أن هذا معترك كبير، وأظن أن التاريخانيّة أداة منهجيّة مفيدة لمن يرغب في التفكير في تلك المسألة التي يمكن اختزالها في سؤالٍ إشكالي، هو : إن كانت الدولة النبوية ضرورة لحماية الدعوة في عصر البربريّة، فما الحاجة إليها في عصر الميثاق العالمي لحقوق الإنسان (التي منها حقه في الاعتقاد) ؟ بمعنى هل يمكن قراءة العنف النبوي باعتبارها ضرورات تاريخيّة، لم تعد موجودة اليوم ؟ في ضوء ذلك، بعض المفكّرين العرب شرع يفرز مضامين الوحي تحت عنوانين اثنين : مقاصد خالدة، وسائل بائدة. والله أعلم.

الاثنين، 17 أغسطس 2015

وادي السباع (خاطرة حول التوقيف)

     
     لا أظن أنه توجد مؤسسة كالشرطة تجسّد سلطة الدولة على الأفراد بشكل مباشر، بعض من كتب في أنثروبولوجيا السياسة يقول إن ضبط الأمن هو المهمة الأولى التي تفرّعت عنها سائر المهام الحكوميّة، التي لم تكن سوى أشكال أخرى من الضبط والتقنين والمأسسة، تزداد سيطرتها رهافةً مع تقدّمت المجتمعات البشريّة، كتنظيم الاقتراع الشعبي، وفسح الكتب والمنشورات، وتشجير الشوارع، ومتابعة الفحوص الطبّية للعاهرات، وحظر صيد الحيوانات المهدّدة بالانقراض، إلخ. ولعل خشونة هذا الجهاز نابعةً من كونه ينهض بأكثر الأدوار السلطويّة بدائيّةً، حيث الزجر والضرب والتكبيل والحبس. وانتهت الحداثة إلى حصر حق ممارسة العنف في الحكومة، وهي السمة المميّزة لمجتمع ما بعد الدولة عمّا قبلها.

     لأن الحياة فقدت بساطتها، صار ضبط الأمن منوطا بحزمةٍ متشابكة من الشروط والمتطلّبات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، وطبعا السياسيّة. لذا امتد سلطان الدولة ليشمل كل مناحي الحياة تقريبا، عبر التنظيم والمأسسة والإشراف الذي قد يُفوّض أحيانا للشعب، بحسب الأعراف والقوانين. لكن الشرطة بقيت محتفظةً بوضعها الخشن المدبّب والمتوارث منذ القدم، لماذا ؟ ربما لأنها أكثر المؤسسات صراحةً في ممارسة القسْر والإكراه، الذي يأخذ معها شكلا محسوسا جدا، حيث يقع تحت طائلتها بدنيّا جميع من تمكّنوا من النفاذ من قبضة الأطر التنظيميّة الأخرى، ولم تجدِ معهم ضغوطاتها الناعمة. طبعا يندرج في هؤلاء الأصناف كلها، من الإرهابيّين وحتى سرّاق اسطوانات الغاز.

     في التوقيف يتساوى الحضور رغم تباين أسباب وجودهم، يتماثلون في الضَعَة، هناك حيث يفقد المرء جزءا كبيرا من اعتباره الشخصي بطريقةٍ غير متدرّجة (تشبه ما يجري لتجّار الأسهم، حينما ينهار السوق فجأة ويتحوّلون، في دقائق، من دائنين تُلتمس منهم المسامحة والتساهل لمدينين يُهدّدون بالسجن !) خطوة واحدة وحسب، أي مسافة مكانيّة بين الردهة وغرفة التوقيف، تفصل ما بين المواطن الصالح والطالح. بمقتضاها تُعاد جدولة مشاعر الجميع، موقوفين وعسكريين، حيث يتبادل الأوّلون التعاطف، فيما يتواطئ الآخرون على الازدراء. يحدث كل هذا بشكلٍ لا شعوري تقريبا. هل لاحظت كيف تتغيّر مشاعر رجال الشرطة عند دخولك كموقوف وعند دخولك كزائر ؟

     أسلوب الخطاب يختصر الكثير، حيث يستخدم الموقوف لهجةً خاضعة يغشاها التوسّل، لأنه لم يعد يتمتّع بندّيته الطبيعيّة والقانونيّة، فصار كعبدٍ يتجاذبه سادتُه. شعوره بالمهانة دفعه للتخلي عن كثيرٍ من مظاهر كبريائه المعتاد، وصار يتقبّل الأمر بالسكوت والوقوف ونحوه. ذلك الانحدار المفاجئ في مركزه، أخلَّ بموازين القوى، ليكتشف أنه أضعف من حَمَلٍ تائه في وادي ذئاب مسعورة، مصدوما ربما من سقوط القناع الإنساني عن وجه المجتمع الحيواني، حيث الاحترام مرتهن بموازين القوّة وحسب، أي شريعة غاب مغلّفة بغطاء مدني. ما يعني أن الشرطة مؤسّسة تتكفّل بحفظ أمننا ونسبنا البربري من الضياع في "الأزمنة الحديثة" !

الأربعاء، 5 أغسطس 2015

أفول اللؤلؤ (بين قيامتين)


     لقرونٍ مديدة، عاش سكّان الخليج على البحر، صيدا وتجارةً وتنقّلا. وفي العقود الأخيرة، قبل اكتشاف النفط، احتل اللؤلؤ صدارة منتوج البحر كله، فكثُر المنقّبون عنه في أعماق الخليج، وكثُرت السُفن المخصّصة لهذا الغرض، حتى لم يبقَ بيتٌ على سواحل الخليج آنذاك لم يدخله شيءٌ من حصاد الحبوب اللؤلؤيّة.

     يذهب بعض من أرّخوا لمنطقتنا إلى أن الحواضر الكبرى المطلّة على بحر الخليج نشأت، في الأساس، كمحل إقامة دائم لبحارّةٍ يحترفون الصيد والغوص، هذا قبل أن تتحوّل لمدن كوزموبولويتيّة عظيمة، في حقبة ما بعد النفط.

     كانت هذه الكرات الصغيرة اللامعة أساس الاقتصاد وعماده. يزدهر وتدور عجلته إذا توفّرت، وينكمش وتتعثّر العجلة إذا شح وجودها. تماما كالنفط يومنا هذا، المصدر الرئيسي للدخل القومي في الخليج، حيث نتساءل بكثيرٍ من الوجل عن مصيرنا فيما لو نضب النفط أو سقط سعره لسببٍ أو آخر ؟ لعلنا سنواجه المصير الذي واجهه أجدادُنا عندما ظهر اللؤلؤ الصناعي. مما أدّى -مع الحرب العالميّة الأولى والكساد الذي صاحبها- لانهيار تلك التجارة الخليجيّة في غضون أيام، فهام البحّارة على وجوههم في البريّة، تاركين مراكبهم تطفو كالجثث على ضفاف الخليج !

     كان ذلك في ثلاثينات القرن الماضي. هل سأسرد ما جرى بالتفصيّل ؟ لا. القصّة معروفة جدا، وقد تناولها المؤّرخون والمتخصّصون في الاجتماع الاقتصادي والسياسي بالتحليل والتفصيل الملّل. كانت العلاقات بين الأحداث وما ترتّبت عنها من نتائج، على كافّة الصُعد، من الوضوح الذي يغني أحيانا عن الاستنتاج المنطقي. سأشير إلى شيءٍ آخر، استوقفني وأنا أتأمّل ما جرى.

     لقد ذُهلت من دور التقنيّة الباهر في تبديل العوالم، بحيث كانت أنظمة الفكر والاعتقاد والسياسة والاجتماع والاقتصاد مجرد "أبنيّة فوقيّة" (إذا ما استعارنا اصطلاحات ماركسيّة)، أي نتائج وآثار، لذلك التغيير التقني البحت، الذي كان "البناء التحتي"، أي بمثابة المقدّمة والسبب. لم يكن اللؤلؤ مجرد حجرٍ رومانسي كريم يدر الأرباح وتعتاش عليه بطون، كان بمنزلة الروح الساري في أجساد دولٍ ومجتمعات وتقاليد ومقدّسات ومحرّمات وخيال ومغامرات وسرديات وعواطف وآمال، لم يبقَ منها اليوم إلا رفات فلوكلوري، يستثير دمعة وأشجان من لم يدركه الخرف من المعمّرين. كل ذلك العالم انتهى بابتكار رجلٍ ياباني فضولي، اسمه ميكيموتو. فكرة واحدة فقط أطاحت بكل شيء !

     كان ابتكار اللؤلؤ الصناعي مفصلا تاريخيّا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. لم يعد الخليج بعده كما كان قبله. مثلما كان ازدهار تجارة اللؤلؤ عاملا تغييريّا كبيرا، إلا أنه كان متدرّجا لا يكاد يحس به سوى المؤرّخ، فيما سقوطه لم يكن متدرّجا، ولذا احتفظت الذاكرة الشعبيّة بوقع الصدمة، التي خفّف منها اكتشافُ النفط، الذي انتشل المجتمعات الخليجيّة من الوقوع في براثن الفقر.

الاثنين، 3 أغسطس 2015

قصّة قصيرة وحقيقيّة جدا (الفقيد المجهول)


     أيام المتوسط كان طريق رجوعي من المدرسة يمر ببقالة صغيرة، يجلس فيها شيخ هرم، نائم طوال الوقت. أدخل وأفتح الثلاجة وآخذ علبة ببسي ثم أضع الريال على الطاولة وأخرج. أقوم بكل تلك الأعمال بشكلٍ طقسي مطبق الصمت. أشهر على هذا الحال، يتكرر الحدث ظهيرة كل يوم مدرسي تقريبا. ذات أربعاء مشمس دخلتُ البقالة، كالعادة، فوجدت ولدا يمنيا يكبرني قليلا، يجلس على كرسي الشيخ الهرم، استغربت، شعرت أن حلوله في مكان الشيخ شيءٌ لا ينبغي، وقاحة لا أعرف سببها. وبعد أن قمت بطقسي اليومي : الصمت، فتح الثلاجة، آخذ علبة ببسي، وضع الريال على الطاولة .. فتحت فمي وسألت الولد : وين الشيبة اللي كان هنا ؟ رد بسرعة صفعة مباغتة : مات !

     اجتاحتني موجة بكاء لم أتوقعها أبدا، خشيت من قوتها المفاجئة أن أتقيأ أمامه، فسقط الببسي من يدي على الطاولة وركضت للخارج تداركا لانهيارٍ بدا وشيكا وفاضحا. ولليوم وأنا حائر في سر صدمتي العنيفة وحزني العميق على غياب شخصٍ لم يجمعني به سوى صمت متبادل !