الاثنين، 1 فبراير 2016

الليبرالية كأسلوب عيش


     لا يوجد دين أو مذهب أو إيديولوجيا إلا وهو يدعو إلى إطلاق حرّية الناس، لكن في إطار أفكاره. أي تحرير أتباعه والمؤمنين به، ثم منحهم الحقَّ في تحديد حرّيات الآخرين. وحدَها الليبراليّة تدعو إلى تحرير الفرد، أيّا كان دينه أو مذهبه أو إيديولوجيّته. تحريرُه مِنْ كل ما يحول دون تمثّل قناعاته والعيش بمقتضاها بسلام. ربما لأن الليبراليّة -كما يقول العروي- نتجت من معاناة الحدود. ولذا كانت ضد كل قيدٍ على الفرد لا ينبع من ذاته. أنت -في الليبراليّة- حرٌّ في اختيار قيودك التي تشاء. لا أجد في الليبراليّة مضمونا فكريّا آخر، عدا هذا. ولذا لم تكن إيديولوجيا، أي نظاما من المعتقدات النهائيّة الباتّة، بل كانت دعوةً للتعايش واحترام الاختلافات. أو كأسلوب حياة متسامحة. تكاد الليبراليّة ألا تُعنى بالفلسفات والأفكار الكليّة، فهي غير مهمّة تقريبا، المهم هو الفرد. أي حرّيته وحقُّه الطبيعي في اعتناق أيٍّ منها. وضوحُها وبساطتُها هذه هي سرُّ قوّتها ونفوذها العظيم في الأديان والمذاهب والإيديولوجيّات، لأنها لا تقدّم نفسها بديلا عن شيءٍ منها. هي فقط مجال اجتماعي، يمكنها -أي الأديان والمذاهب والإيديولوجيّات- أن توجد فيه بدون صراع، حتى اعتقد بعضُ منظّريها أنها نهاية التاريخ وذروة التطوّر الاجتماعي، لأنها وضعت حدا للصراع المسيّر لحركة التاريخ.

     منذ القِدم تأسست المجتمعات متجانسةً، تحكمها تصورات موحّدة تقريبا، في المعتقدات والأخلاق والسلوك. وكانت باستمرار تنفي غير المتّفق معها، وتنبذه نبذا لا هوادة فيه، وتعتبره انحرافا يجب التخلّص منه. ذلك أن عدم الاتّفاق معها كان بمثابة خروج عليها ! وبمرور الوقت تحوّلت المجتمعات، بفعل عوامل الدمج والمجانسة، إلى كتلٍ بشريّة ضخمة، مكوّنة من أفرادٍ مكرّرين، مجرد نسخ متطابقة، هي السواد الأعظم. كان المختلف شاذَّا إذن، حيث يبدو نتوءا مؤذيّا عن الصف الصقيل، الأمر الذي جعل أول متطلّبات اللباقة الاجتماعيّة هي مطابقة الجميع والتماهي معهم. مع بزوغ الليبراليّة انتهى كلُّ هذا، فحلَّ التعدد محلَّ الآحادية، وتلوّنت المجتمعات، وصار أول متطلّبات اللباقة الاجتماعيّة هو التسامح .. الذي اختلَف هو الموقف من المختلِف، فلم يعد أحدٌ وصيّا على مثله. ومن يرى أن لديه فكرةً عظيمة مثلا أو ضروريةً للبشر بأي معنى كان، فليس له سوى أن يُقنعهم بها. الأفكار العظيمة ليست بحاجة سيف أو مدفع، ولّى عصر الإرغام والقسْر، بالعكس، الفكرة المسلّحة بغير الحجّة والبرهان، باتت مثار شك.

     أوجدت الليبراليّة مجتمعا ضعيفَ الدولة، قويَ المؤسسات. القانون فيه ليس لفرض الحرّية، إنما لحمايتها، لأن الحرّية لا يمكن اختزالها في نمطٍ سلوكي واحد، معيّن، حتى يُعمّم ويُفرض على الجميع. كلٌّ منا يريد أن يكون حرَّا ليعمل ما يريده، وما نريده يختلفُ من شخصٍ لآخر، بطبيعة الحال، إذ الحرّية تُبرر بغاياتها، وغاياتها تختلف بحسب الأفراد. لعل هذا أن يقودنا إلى التفكير في شعار "لا حرّية لأعداء الحرّية"، الذي تبنّاه بعضُ زعامات الثورة الفرنسيّة. وبعيدا عن المجازر والفظاعات التي ارتُكبت تحت رايته، فإن المستهدف ينبغي أن يكون في تناقضٍ وجودي مع الحريّة، حرّية مجتمعه، بحيث لا يجد المجتمع مناصا من الاختيار بين أن يعيش أفرادُه أحرارا كما يريدون، أو أن يتركوا للمستبد وأعوانه حرّية تحديد نطاق حرّيتهم، كما يريدون.

     من الواضح إذن أنهم كانوا في موقع المدافع عن حرّيته المستلبة، التي اضطُر -حتى يستردَّها- إلى إهدار حرّية المهاجم، بل وتصفيته ماديّا. لا يوجد خيار ثالث. كان صراعا إذن لاستعادة الحرّية ممن صادرها، وليس لفرضها على أحد. والواقع أنه لا يُتصور فرض الحرّية على أحد، اللهم إجبار امرأةٍ على خلع نقابها مثلا، لكن أيُّ حرّية فُرضت هنا ؟! إنها وصاية، تستبطن نفس منطق فارضي القيود، إذ من يتولّى الفرض في كليهما -القيد والحرّية- يعتقد أنه يملك الحق في تحديد نطاق حرّية غيره، باعتبارهم -ما لم يكونوا مثله- قاصرين، وبالتالي، فهو يحتكر الحرّية، معطيا نفسَه حقَّ منحها أو منعها من يشاء (ممن ليسوا بالضرورة خطرا عليها !). أليس هؤلاء أعداءً للحرّية ؟! أليس الإرغام نقيضا للحريّة، تماما كالقيد ؟! يقول جون استيورات مِلْ: "إن الغاية الوحيدة التي تسوّغ للناس أن يتدخّلوا -منفردين أو مجتمعين- في حرّية الفرد في تصرّفاته، هي حماية أنفسهم منه. والغرض الوحيد الذي يبرّر، بحق، استخدام القوّة مع أي فردٍ يعيش في جماعة متمدّنة، وبرغم من إرادته، هو منعه من إيذاء غيره. أما اعتبار مصلحته -مادّيةً كانت أو أدبيّة-، فلا يكفي مسوغّا لهذا التدخّل، إذ لا يجوز إكراهه على إتيان فعلٍ أو الإمساك عنه، بحجّة أنه الأفضل له، أو بدعوى أن هذا يجعله أسعد حالا .. قد تكون هذه أسباب وجيهة لتبرير الاحتجاج على تصرّفه، أو مناقشته والتباحث معه، أو محاولة إقناعه بخطأ تصرّفه، ولكنها لا تبرّر إكراهه أو إلحاق ضرر به، إذا أصرَّ على أن يتصرّف بخلاف ذلك". هذه -لمن سأل- زبدةُ الليبراليّة. 

الأربعاء، 16 ديسمبر 2015

أحيييه (تأملات في الجنس)


     لا يستطيع الإنسان العيش بدون أكل أو شرب، لكنه يستطيع العيش بدون جنس، بمعنى أنه ليس ضرورة تتوقّف عليها حياته. والحقيقة أن هذه مسألة غير ثابتة، فقد يتحوّل الجنس، بفعل الثقافة ومؤثّراتها، لشيء فقْدُه يؤدّي لمشكلات نفسيّة وعضويّة حقيقيّة. بمعنى أنه يصبح، كالأكل والشرب، شيئا قريبا من الضروري إن لم يكن ضروريّا فعلا.

     في المرحلة المشاعيّة من الوجود الاجتماعي للإنسان، عندما كان يلتقط قوت يومه من الأرض، ويشرب من الأنهار والمستنقعات كما تشرب السوائم، قبل اكتشاف النار والزراعة واستئناس الحيوان، لم يكن متصوّرا، في تلك البدائيّة السحيقة، تناولُ الطعام أو ممارسة الجنس بلذّةٍ كالتي نعرفها اليوم في الجنس والطعام، أي بحيث يُتناول للمتعة، لا للإنجاب أو سد الجوع. بحيث يكون غايةً بحد ذاته، لا وسيلةً لشيء آخر. ولعل اكتشاف اللّذة في تلك الأشياء كان وراء نزعة التملّك التي استولت على الإنسان، فأنتجت السلطة التي غيّرت كل شيء في حياته. يظل تخمينا معقولا في سياق تناول تأمّلي لموضوع كهذا. أفسحوا للثرثرة مجالا.

     فقط أتساءل هل تطوّر الطعام وأنواعه وتقنيّاته وفنونه يتساوق مع التطّور الذي طرأ على الجنس، نوعا وتقنيات فنون ؟ أرى أن الجنس ما زال محتفظا بفطريّته الأصليّة، ربما لأنه كعمليّة الأكل، الذي يبقى هو هو، رغم تغيّر المأكول : متمحورا -أي الجنس- حول الإيلاج والقذف مثلما يتمحور الأكل حول المضغ والبلع. إذن ما الذي استجدَّ في الجنس ؟ ربما ضروب مباعثه ومحفّزاته، أي أشياء ثقافية، حيث تطوّرت فنون الإثارة وتقنياتها، ما خلق -بدلا من الإشباع- حالةً من الظمأ الجنسي المستمر. ولعلها مفارقة الجنس دونا عن غيره من أنواع الملاذ والمشتهيات.

     يُخيّل إليَّ أن كسر مركزيّة العضو التناسلي في العمليّة الجنسية من خلال التوسيع المتزايد لنطاق الانتشاء واللذّة، وتوزيعها في كافّة أنحاء الجسد (الشفاه، النهود، الأردف، المص، اللّحس، العض، الخلفي، أشكال الاحتضان، تنوّع الوضعيات، الخ) كانت محاولةً يائسة لاحتواء التوق المتفجّر للطرف الآخر، حيث إنه من الحُسْن أو الظرف أو الملاحة ما لم يعد معه العضو التناسلي كافيا للارتواء منه، وأصبحت هنالك حاجة لأكثر من حاسّة للمشاركة في تناوله. هل هي محاولة لاستخدام الجسد من أجل إطفاء رغبة ليست من طبيعة جسديّة أصلا، كالتعلّق العاطفي أو الحب مثلا ؟ أظن أن التأمّل في عيني ضجيعتك التي تحبها يبرهن لك، أكثر من أي شيءٍ آخر، أنك ما تزال -رغم كل تجذيفك- على سواحلها، بعيدا عن الأعماق. لا أعرف إن كان ذلك مما يدل على أننا نسيء فهم أسباب افتتاننا بالأشخاص، حيث نسارع بتحويلهم إلى كتلٍ من اللّحم الطري، ونلجأ للجنس حتى نشبع منهم، لتخف سطوة الافتنان، ونتحرّر ! السؤال بعبارة أوقح : هل كس المرأة هو آخر ما في قنينتها، الذي إذا بلغه الرجل فقد شربَها ؟

الأربعاء، 9 ديسمبر 2015

ممشى (خاطرة في البرد)

     منذ مارست المشي كهوايةٍ أستمتعُ بها يوميّا، اكشفت أن أكثر ما أعانيه كان مجرد عادات سيئة. حصّة المشي الصباحي مما أثبت لي أن استحالة التحرّر منها كان وهما، كما اتّضح لي أن خمولي المزمن حالةٌ مزاجيّة في الأساس، شيء ينبع من الذهن ويفيض على الجسد ويثْقله، لا العكس. وحتى أطرده عن عقلي كان عليَّ أن أنهض ! عندما خرجت بالأمس قبل الشروق بنحو ساعة، كانت الشوارع خالية تماما، حتى من القطط ! وبعد أن قمت بالتسخين ووضعت سمّاعات الأذن وشرعت في المشي بخطى متسارعة، انتابني شعورٌ أنني من العظماء المعدودين على هذا الكوكب، وبدا لي البرْد شبحا لا يخيف سوى القابعين تحت بطاطينهم السميكة أو المتحلّقين حول نيرانهم. تشبّعت بهذه الطاقة التي أورثتني إياها الحركة، فقرّرت أن تكون الرياضة أولا، وقبل كل شيء. الحركة مولّد طاقة وأمل وثقة، للنفس وللجسد على حدٍّ سواء. 

الأربعاء، 25 نوفمبر 2015

مقتطفات (٢)


     إذن المرأة المسلمة شخصيّة غير منطقيّة (إذ كيف تقبل بهذه التناقضات) وغير سويّة نفسيّا (إذ كيف ترضى بهذه الإهانات)، مما ترتّب على ذلك أنه لا يحق لها المطالبة بأي حقوق إنسانيّة طالما رضيت لنفسها هذه الوضعيّة المهينة، وانجرّ هذا الرأي إلى تقبّل قمع المسلمين واضطهادهم في أوروبا والعالم، وهي عنصريّة حقيرة، لكن لماذا ؟ لأنه يوجد في موروث هذه الأمة ما لا يمكن القبول به اليوم. لكن هل يوجد موروث منسجم مع عالم اليوم، بما في ذلك موروث عصر النهضة والتنوير نفسه، الذي نفترض أنه أنتج عالم اليوم ؟ قطعا لا. مثلا، مونتسيكو وفوليتر وجون لوك كانوا يعتبرون الاسترقاق نتاجا قانونيا مشروعا للحرب. وآراؤهم في دونيّة المرة معروفة، بل لا تختلف مع ما نقرؤه عند الإمام مالك أو ابن تيميّة. قد يُقال وهل من الإنصاف محاكمة الحداثة بكل ما في موروثها ؟ طبعا لا يجوز كما لا يجوز محاكمة المسلمين بكل ما في موروثهم. ومن الشائع اليوم أن نرى مسلمين لا يقولون بقتل المرتد ولا بحرمة تولّي المرأة للمناصب العليا ولا بشرعية إعلان الجهاد على غير المسلمين لأنهم غير مسلمين .. إلخ. في تونس والمغرب وتركيا وماليزيا وغيرها، تزداد هذه الشريحة على حساب الأصوليّة التي تأخذ بحرفيّة النصوص والآثار (ومؤشرات اتجاهات الرأي العام تؤكد هذا الاستنتاج)، ذلك لأن الأديان ظواهر اجتماعيّة في النهاية، تتطوّر بتطوّر البشر، خصوصا جوانب التشريع فيها. ومن تضييع الوقت السعيُ لنقض ديانة من خلال تطبيقاتها التشريعيّة المتغيّرة بطبيعتها، وليست مفارقة أن أدلّة أكثر تلك التشريعات (كأحكام المواريث والشهادات والولاية وغيرها) ظنّية أساسا، ولهذا كانت محل خلاف فقهي، إذ لو توفّر الدليل القاطع ثبوتا ودلالة لحسم النزاع وانتهى الفقه، مما يثبت أنها كانت معالجات لواقع تاريخي معيّن. لهذا كنت أتساءل دائما : هل تلك الأحكام تقرر العدالة مطلقا أم العدالة تلك الأزمان ؟ وكان هذا ينقلني لتساؤل آخر : ما المطلق والنسبي في الشريعة ؟ لأجد نفسي تائها في تساؤل، أكثر تجريدا : كيف لنا أن نتصوّر عدالةً مطلقة أصلا والإنسان نفسه كائن نسبي ومتحوّل بيولوجيّا !

     على أيّة حال، من الواضح أنه بمرور الوقت تتضاءل المطلقات في الشرائع كلها، حيث يغدو الحجاب -مثلا، في الشريعة الإسلاميّة- نسبيّا والعفّة مطلقا. لكن ألم يكن الله يعلم بكل ما سيجري في التاريخ البشري من تطوّرات ؟ لا يبدو تساؤلا ساذجا جدا، لكن أظن أن كل جيل سيقرأ النص الإلهي في ضوء حاجاته. لكن هل المؤمن ينصاع لتشريعات ديانته لأنها فقط الأنسب له دنيويّا ؟ في الواقع لا، بل لأنها تصله بالحقيقة العليا للكون، وتمنحه معنى لوجوده. لهذا عندما ينقدح الشك في قلب مؤمن لا تعتريه فرحة التحرّر من القيود، بل يتزلزل كيانه ويشعر بالضياع المطلق وتعلوه كآبة. لعل هذا سبب تشبّت المؤمن بربّه، فهو على استعداد أن يتنازل عن كثير في سبيل حصوله على معنى يفسّر وجوده.

     نقطة أخيرة أحب تسجيلها، وهي أن مشكلة هذا الطروحات المتطرّفة أنها تنطلق من مبدأ أن تنوير الناس يبدأ من ضرورة تخليّهم عن أديانهم جملة، أي مطالبة المجتمعات المسلمة بما لم تصل إليه بعد المجتمعات الغربيّة.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2015

ماذا بقي من الثورة السوريّة ؟ (الحق والحقيقة)


     الدولة السوريّة لم يبقَ منها سوى أطلالٍ يمكن حملها في حقيبة سفر، بيد رجلٍ متسلّل تحت جنح الليل على متن طائرة روسيّة، يقدّمه فلاديمير بوتن للعالم على أنه رئيس كامل الشرعيّة. أما الشعب، فشذر مذر، تتقاسمه الجبهات والمنافي، الأحقاد والحيرة .. توزيع المسؤولية إما على النظام أو المعارضة يبدو قولا مستهلكا، كما أنه مؤسسٌ -وهنا المغالطة- على استمراريّة بقائهما -النظام ومعارضته- كيانين متماسكين. المعارضة مشرذمة لأسبابٍ كثيرة منها : تضارب مصالح داعميها. والنظام تفسّخ، وهو اليوم كرجلٍ فقد إحدى عينيه وأذنيه ويديه ورجليه، يحاول متابعة السير على حبلٍ معلّق بين يأسين. وكان التدخّل العسكري الروسي خاتمةً كوميديّة لادّعاءاته، التي لم تتوقّف منذ اندلاع الثورة، بأنه ممسك بزمام المبادرة في حربه على "الإرهابيين"، وأنه ما انفك يتقدّم في معاركه ضدهم.

     لو استقبل السوريّون من أمرهم ما استدبروه، هل كانوا سيطلقونها ثورةً على بشّار ونظامه ؟ قطعا لا. وهذا لا يعني طبعا أنهم بصدد تقديم تنازلات، بعد كل ما حدث. ربما المشكلة في "التنازلات" الواجبة على كل طرف، حتى يتمكّنوا من الخروج جميعا من النفق الذي دخلوه واحدا تلو الآخر، والذي لا أعرف يقينا إذا ما هم قد بلغوا النقطة الأكثر ضيقا وقتامةً فيه أم لا، لكني آمل أن الأسوأ لم يحدث بعد، وأن الأمل في تلافيه ما زال قائما.

     عندما تصاعد العنف أخذت القضيّة مناحٍ عقائديّة، وصار النزاع يدور حول "الحقيقة"، بعد أن كانت ثورةً لنيل "الحق" (في العمل، التعليم، الصحة، الانتخاب، .. إلخ)، الأمر الذي جعل الحلول السياسيّة مجرد نزعات طوباويّة. بمعنى أن النزاع حول الحق الدنيوي تطوّر، لأسبابٍ غامضة، إلى اقتتالٍ حول الحقيقة غير الدنيويّة. هل كان تحوّلا مخطّطا له مسبقا، لأغراضٍ سياسيّة، تتعلّق بإدارة الصراع ؟ أميلُ لاعتقاد ذلك، والشواهد عليه متضافرة.

     أعتقد أن سوريا قليلة الموارد، إلا أنها أبدا لم تصل درجةً تدفع السوريّين -كأفراد- للصراع من أجل البقاء، بحيث يكون بقاء أحدهم مشروطا بعدم بقاء الآخر. لكن سوريا -كدولة- واحدة فقط، ومن المستحيل أن تسع السوريّين -كطوائف- تتصارع على السلطة والحكم. الحقيقة مصدرُها الطائفة الطامحة للهيمنة، والحق مصدره الإنسان السوري الطامح للحياة. وحتى يستعيد السوريّون بلدهم، يجب أن يقضوا على الطائفة كفكرة سياسيّة، قبل أن تبيدهم كمواطنين أفرادا. على الطائفة -المذهبيّة أو الملليّة- أن تظل تنظيما أهليّا خارج أبنية السلطة، يقوم بوظائف غير سياسيّة، وإلا فإنها ستجنّد بعضهم ضد بعض وتجتاح -بحقائقها- حقوقهم.

الأحد، 4 أكتوبر 2015

الصداقة والصديق (خاطرة)


     "من يعيش وحيدا لا يعرف حتى معنى أن يروي" .. سارتر

     حتى مدمني العُزلة والانفراد يحتاجون صديقا يساعدهم على الخروج منها كي لا يملّوها. على المستوى الشخصي، لاحظت أن حماستي للتواصل مع الأصدقاء كانت في كثيرٍ من الأحيان محاولةً لإثبات وجودي اجتماعيّا، وأنني كائن صالح للتداول في سوق العلاقات الإنسانيّة. بل ولاحظت أن الإنسانيّة مفهوم يصعب إدراكه من قبل الأشخاص المتقوقعين على ذواتهم. من العجيب أن قراءاتي حبّبتني في الإنسانيّة كفكرة، وكرّهتني في الآخرين كأشخاص، حيث خلتهم قيودا وموانع وإكراهات لا تُطاق !

     كنت مغترّا بتعريف أرسطو للصديق عندما قال: "إنه أنت، لكنه في الشخص غيرك". كان يرفع من قيمة التشابه بين الأصدقاء، على اعتبار أن المشتركات هي من يصنع العلائق والصداقات. وهذا صحيح إلى حدٍ بعيد، لكن لفت نظري أن الصداقات قد تنشأ بين المتناقضين، فتدفعهم إلى تحييد اختلافاتهم من أجل المحافظة على ما بينهم من ودٍ وصداقة. بمعنى أن شجرة الصداقة نبتت بين الصخر والماء. ولولا الأصدقاء، لفقدنا القدرة على الكلام، وتعفّنا داخل الصمت. (Tom hanks - tchak) في فيلم (cast away)، اضطرّته معاناة العزلة لاختلاق صديق من كرة، أطلق عليها اسما بشريّا (wilson) وحشاها قشّا، كي لا تفترسه الوحدة في جزيرته الضائعة وسط المحيط الهادي. كان محتاجا لتصديق كذبته، حتى لا يفقد قدرته على الاتصال بنفسه أولا، قبل أي شخصٍ آخر.

    بالأصدقاء نتمرّن على ممارسة التواصل الاجتماعي مع الأقارب والمعارف وزملاء العمل، الخ. لا يمكن أن نتقن لغةً ما لم نخالط أصحابها، فكذلك العلاقات الاجتماعيّة، الأصدقاء عادةً هم المدرّبون الأكفاء على اكتساب كل أنواع المهارات التي يتطلّبها الاندماج الاجتماعي. الأصدقاء محضن تربوي كالأسرة، ضروريّون كالأهل.

السبت، 3 أكتوبر 2015

خاطرة سريريّة


     الاستمتاع الجنسي عمليّة مكوّنة من عدّة عناصر، القضيب واحد منها. ورأيي أن تضاءل أهمّيته أثناءها ترجع إما لعِنّة (عطب عضوي) أو لحب (الجنس لا يكفي لإطفاء الشغف). ربما الجنس كمفهوم يقبل أكثر من تعريف، يتّسع ويضيق، بالنظر للمساحة التي يحتلها الإيلاج في العمليّة. طبعا هنالك حالة وسطى، يأخذ فيها الإيلاج وضعا مركزيّا وأهمّيةً قصوى، وهي الحالة التي يُعرّف بها الجنس عادةً، حيث يأخذ "التدخيل" نصيب الأسد من مدّة اللقاء، بل ويتحدّد اللقاء به، بدايةً وانتهاءً.

     الاهتمام بالمقاسات والأحجام تسيطر عادةً على المكتهلين، رجالا ونساءً، فبالنسبة إليهم تجرّد الجنس من هالاته العاطفيّة وغدا لذّةً حسيّة مستقلّة، يُطلب محضا لذاته. بمعنى أن الجانب الشخصي فيه لم يعد مهما، المهم هو العضو التناسلي، الممارسة نفسها. الجنس في هذه الحال مجرد وجبة، والشبق عبارة عن جوع. عمليّة بيولوجيّة منزوعة المشاعر. وبمجرد أن تستشعر الثلاثينيّة فتور قضيب الزنجي المستأجر تطلب منه مغادرة الغرفة، وكذلك الأربعيني ينهض من فوق بنت الثامنة عشر بعد القذف مباشرةً، فيخرج وهو ينظر في ساعته، دون التفاته للوراء. كثيرا ما يُساء تفسير .

     أوضاع الممارسة الجنسيّة التي يُتعمّد فيها عدم تقابل الوجوه، تُعتبر علامةً على تقدّم الحس في العمليّة على المشاعر. أظن أن ممارسات من هذا القبيل طرفاها إما زوجان عتيقان أو "شورت تايم"، بيد أن تطوّر تقنيات الممارسة الجنسيّة اليوم، زاد من كمّية المتعة وقلّل ولا شك من الفروق الفرديّة، مما يحتم ضرورة التثقيف الجنسي، لحياة جنسيّة أسعد.