الأحد، 27 نوفمبر 2016

يوميات عائد إلى الخلف

منذ نحو خمس سنوات ابتدأتُ أسجّل يوميّاتي وأنا لا أدري بالضبط لماذا. واظبتُ عليها سنةً، ونصف سنة أخرى، ثم أهملتها. مؤسفٌ أن ذلك لا يعود لكوني قد قرّرت أن أعيش حياتي بدلا من التفكير فيها !

     كانت "يوميّات" على سبيل المجاز، إذ لم أكن أكتب سوى ثلاث إلى أربع مرّات فقط في الأسبوع. هذا في المتوسّط. لا أدوّن الأحداث إلا قليلا، لأنها تتواتر بلا انقطاع. أركّزُ فقط على تدوين انعكاساتها في وجداني وذهني، فليس كل حدثٍ في حياة الإنسان يترك أثرا في نفسه، أثرا يبقى طويلا. أسجل ما يستحق الذكرى، ما أريد له ألا يُنسى.

     كنت في اليوميّات أوثّق بعدسة الحرف صورةَ اهتزازات أعماقي، كل ما رمى حدثٌ بحجر. اتساع الدوائر، في إيقاعاتها، لأعودَ إليها بعد مدّةٍ وأجد ركاما من الأشياء تحت السطح وقد صفا. لم أكن أشغل نفسي بكيف ولماذا. لا أحلّل ولا أستنتج، فقط أنكبُّ على تسجيل انطباعاتي وهي طازجة، ثم أتأمّلها لاحقا، إذا هدأت وبردت مشاعري وعادت أجزاء كياني لمواضعها الطبيعية. لكن مشكلة الصياغة والتوقيت تظل منغّصةً دائما، رغم أهميتها عندي. فما كل حدثٍ يجري يكون دفتر اليوميّات تحت يدي. هذا الفاصل الزمني، بين الحدث وتسجيله، كثيرا ما يسمح بتسرّب تحليلاتٍ واستنتاجات في تضاعيف ما كنت أحسبُها لغةً وصفيّة بيضاء، محايدة قدر الإمكان. ولذلك أتخلّى عن كتابة اليوميّة إذا طال العهد بالحدث، إذ تتسلط عليَّ نزعةُ الانتقاء والتحليل والاستنتاج، وليس هذا غرضي من كتابة اليوميّات. أريدني فيها شاهدَ عيانٍ فقط، لكن على نفسي. ربما لأتربّى وأنضج ذاتيا.

     مسترخيا مع الشاي أقرأ تاريخ مشاعري، أقلّبُ الصفحات وأراقب عن كثبٍ تفاعلاتي مع المواقف، أو بالأحرى : تذبذبي واختلاجاتي في خضمها. وكم تكشّف لي مدى عجزي عن تصحيح المسار وضبط ردود الأفعال بالطريقة التي ترضي كبريائي مثلا ! خُلقت هكذا، وهي الحقيقة التي عليَّ أن أحترمها بعد اليوم، بكل نضج أتقبلها. ومهما فهمت كيف يحدث الجوع، فليس في ذلك ما يشبع.

     يبدو أننا نعيش تفاصيل يومنا بربع أو ثلث عقل. من يمتلك النصف سنعدُّه الفطِن بيننا، والعبقري من حاز أكثر. لا تعمل عقولنا بكل طاقتها، ولا تحضر معارفنا كلها، إلا بعد انفصالنا عن المواقف بمددٍ يختلف طولها من شخصٍ لآخر. بدليل أننا لو رجعنا للخلف، لغيّرنا الكثير والكثير من مواقفنا وكلامنا، واستبدلناه (درجة هذا التغيير والاستبدال تختلف -كما أشرتُ- من شخصٍ لآخر). كما أن الانفصال والتباعد الزماني عن حدثٍ ما، كالارتفاع والتباعد المكاني عن موقعٍ ما، حيث تتصاغر الأشياء وتتضح الرؤية وتأخذ طابعا شموليّا أكثر، مما يمنحنا شعورا بالسيطرة، معرفيا ونفسيا، على المشهد. ولو أُعطيت قدرة إعادة الزمن خمس دقائق في كل مرة، سأتمكن من تفادي العقبات والمآزق، لكن سأخسر عفويتي، وربما أكثر. حتما سأكون شخصا آخر، إذ نحن نتاج أخطائنا وصوبنا معا. لا أدري إن هذا أفضل أم أسوء !

     ما الذي نريده من وراء تسجيل اليوميّات، ثم وضعها على الرفوف ؟ أظنه لا يقل أهمّيةً عن الذي نريده من وراء التقاط الصور، ثم وضعها في الألبومات. لعل اليوميّة والصورة لا تعدو أن تكون محاولات للاحتفاظ بقطعةٍ من الماضي واستبقائها في الحاضر، وربما ادّخارها للمستقبل. كلاهما وسيلة لتعزيز انتقائية الذاكرة بطريقة مفيدة أكثر. كلاهما طريقة للالتفاف على الزمن ومقاومته. ذلك أن رصد المواقف والأحداث في الماضي يزيد الإنسان شعورا بالزمن، وأن كل شيءٍ عابر ومؤقّت. وهذا بدوره يقلّل من انغماسه في المواقف والأحداث أكثر مما يجب، كما لو أنه سجينها أبدا. وبهذا يكون تقييد الماضي وسيلةً للتحرّر منه، وأسلوبا للسباحة فوق الحاضر، عبورا متخفّفا للمستقبل.

الخميس، 17 نوفمبر 2016

دعِ الكوارث تعمل .. دعها تمرّ



     منطقتنا أحوج ما تكون للاستقرار، لكن من المؤسف القول إنه ليس في متناول اليد، الكثير من الحطب مركومٌ للآن. هل نستحق ما يجري لنا ؟ هل اضطراب المنطقة محصّلة طبيعية للوضع الذي يعيشه أهلها، اقتصادا وفكرا وسياسة ؟ تختلف الإجابات، لكن أعتقد أن مقارنة وضعنا بوضع الكثير من الأمم يؤكد أن لمشكلاتنا حيثيات نحن منها محل الرأس والقلب، اقتصادا وفكرا وسياسة. نحن المسؤولون عنها أصالةً. في المجمل، المجتمعات تساوي اقتصادها وفكرها وسياستها، تردّيها في هذه الأمور لا يعني سوى فشلها. كل شخص يعادل منجزاته، هذه هي العدالة. لم يُمنحوا فرصتهم كاملة، هاه ؟ وهل النجاح شيءٌ غير خَلْق الفرص أو انتزاعها ! المستكينون لظروفهم مكانهم الذيل، هذه هي العدالة مرّة أخرى.

     المقارنة بين التجارب لا تستوجب البصق في وجه أحد، كل ما هنالك أننا ندخل المدرسة التي تخرّجت منها مجتمعات أخرى. الكارثة فصل تربوي، لا أكثر. والتسخّط على الأقدار ناجمٌ عن الجهل بها، هذا ما يقوله هيجل على الأقل، إذ الصياح على الطماطم الخضراء لن يدفعها للاحمرار قبل الأوان، وتكسير السياط على ظهر الحَمَل لن تجعل منه خروفا في ساعة. أكثر من يموت اليوم، هم أناس فشلوا أن يعيشوا. يتساقطون ضحايا من لم يحالفهم التوفيق ويكونوا الجناة أو المتآمرين. إذن، دعِ الكارثة تمر، دعها تعمل. الطبيعة تسلك دربها بسلاسة.

    فهم الأمور بهذا الشكل مريح نفسيا، كما أنه مفيد عمليّا. هدر الوقت في اللّغط المتشائم واستهلاك الأعصاب لن يغيّر شيئا على المستوى العام. سيكلّ المتخاصمون وتنكسر قطعياتهم ويركنون راغمين إلى ما سيكون "العيش المشترك"، بعد أن تغرق حواضنهم الاجتماعية في الوحل. إذا عجز اليقين عن تحويل الواقع، انقلبَ عليه الواقع وأحاله شكّا يعلو صوته حتى يجلجل فوق المنابر، وصرفَ الناس عنه لشيءٍ آخر : المصلحة، العقل، العلم، اللّهو، الخ. المهم ألا تخضع الحقيقة الماثلة (العيش) لمقتضيات شيءٍ غائب (الإيمان). وعوض الانكباب على تحليل ما يحدث، على المثقف تدبير قارب نجاة تحسّبا لفشل الناس في تحديد صوت الهدير القادم من بعيد، إذا ما كان فيضانا مغرقا أم رعدا قاصفا !

الجمعة، 7 أكتوبر 2016

تقشّفوا تصحّوا


     لندرك قيمة الأشياء حقّا، فإن عليها أن تُصاب بالندرة، حتى لا نتمكن من الحصول عليها بذات السهولة. بكلمة : أن نشعر أن ثمّة ما يمهّد لاختفائها !

     عندما تشعر أن صحتك تتآكل، تهرع للرياضة وتجدول وجباتك الغذائية وتزيد من اخضرارها، موطّنا نفسك على استدامة هذا الوضع الصحي، لأن فرص بقائك على ما يُرام باتت أقل .. وعندما ترى دخلك يتناقص، تبدأ بمراجعة مشترياتك ناظرا بعينٍ ناقدة أكثر لنمط الاستهلاك المتّبع في حياتك، وربما تتفاجئ أن نسبةً ليست بقليلة مما تنفق فيه أموالك لا يعود بالنفع الذي كان متوقعا منه، وأحيانا لا يعود بأي نفع مطلقا، مما يسهل عليك قياس نسبة الهدر، عندها ستخلع الكماليات قناع الضروريات التي كانت تتنكّر به ! وهكذا، كما لو أن الفاقة تبعث بالنذر وتحضّر النفوس قبل أن تأتي.

     أعتقد أننا نميل لتقليص نفقاتنا أكثر من ميلنا لزيادة مداخيلنا لتغطّية عجز الموازنة الشخصي، والسبب في رأيي أن فوضوية الإنفاق عادة ملازمة للكسالى، شحيحي الخيال والعزيمة. لذا نفضّل أسهل الطريقين، وهو التخلّي عن بعض الكماليّات اكتفاءً بالبعض، فبدلا من القيام عن الكرسي الآيل للسقوط بنا نرفع شطيّة، متكئين على الأخرى. لكن إذا استمر وضعنا المالي في الانحدار، فإن شعبا آخر سيُولد، أكثر قدرةً على التكيّف مع الوضع الجديد، الأقل رفاه، الدافع للعمل والحركة والابتكار. ما يعد بانقلابات هائلة، ليس في الاقتصاد وحسب.

     رفاهنا مستعار، وهو يختلف في تشكيله للثقافة والمجتمع، عن الرفاه الناجم عن انتاجٍ وصناعة. ولذلك، فإن تراجع الأخير قد يخرج حكومات عن موقع السلطة، ليضعها على مقاعد المعارضة في البرلمان. لكن ما يجري لنا، قد يسقط دولا بأكملها، ما لم يُتدارك بإصلاحات كبيرة وعميقة، وهذا مشروط بإرادة سياسية لا أدري أن كان طبيعة النظام تسمح بها، إلا أن أكثر الاحتجاجات على قرارات التقشف تستند لفكرة "العدالة الاجتماعيّة"، كيف للحكومة أن تقضم راتبي دون أن تمس دخول كبار القوم .. ذلك ما يجعلني أعتقد (أو آمل) أن العوز سيغيّر من علاقات القوّة داخل مؤسسة الحكم، تغيّرا للأفضل، لأن الحاجة أم الاختراع. نحن بأمسِّ الحاجة للحاجة التي تفجّر طاقاتنا المغمورة بالنفط. ومن لم لا يتكيّف، يبيد، شعبا كان أم حكومة.

الأربعاء، 31 أغسطس 2016

المرأة .. حقائق العلوم الإنسانية ومورايث الفقه الديني



     ‎
في موروثنا تُحاط المرأة بجملةٍ من الأحكام والتقاليد المتعسّفة، حيث يُفرض عليها أن تحتجب، وأن تبتعد عن الرجل حتى لا يرى فيها -أو يشمُّ !- ما يفتنه. وإن تزوجته كانت له خادما. وإن مات عنها أبوها أخذت نصف نصيب أخيها، تماما كشهادتها التي لا تساوي -في معظم الأحيان- إلا نصف شهادة رجل. وإن مات عنها زوجها هجرت الزينة أربعة أشهر وعشرا. كما لا يجوز أن تسافر إلا مع ذي محرم، وهي مستنثاة من تسنّم المناصب العليا والقيادية، الخ. من الواضح أن المرأة في موروثنا تعاني بشكلٍ دائم ما يسميّه القانونيّون "نقص الأهليّة". هذا إن أردنا أن نتكلّم بصراحة. طبعا لا شك أن الإسلام قد حسّنَ من وضع المرأة مقارنةً بالجاهليّة، وسيّج كيانها بسلسلةٍ من التشريعات الشائكة، التي وإن حمتها بعض الوقت، إلا أنها سجنتها طوال الوقت. نعم، تقدّمت تلك التشريعات بواقع المرأة خطوات، لكنها وقفت عندها، منذ قرون.

‎     أظن أن مشكلة هذه الأحكام والتقاليد والأخلاقيّات أنها كانت حلولا سطحيّةً ووقتيّة جدّا، تعالجُ المظاهر والأعراض وحسب، ولا تنفذُ لعمق المشكلات وأسبابها الكامنة في واقع المرأة، لتقضي عليها قضاءً مبرما، ومن الأساس كما يُفترض. ربما لأنها -أي تلك الأحكام والتقاليد والأخلاقيّات- تنطلق من مسلّمة، وهي أن هشاشة وضْع المرأة وضعف مركزها -أي كونها مرشّحةً دائما أن تكون ضحيّة !- شيءٌ متفق عليه كواقعٍ يتمتع بمكانة الوضع الطبيعي، حالة مستقرة لا تجب مناقشتها، فيما إذا كانت لها أسبابٌ مفهومة، يمكن العمل على تغيير شروطها، أم لا. كما لو أنها أحكام خاصّة شُرعت لمصابٍ بعاهة لا يُرجى شفاؤه منها. وبينما توصّل الطب لعلاجٍ له، فقد بقيت الأحكام الخاصّة به كما هي، بلا أدنى تغيير، يمتثلها هذا المتشافي ببركة العلم، وكأنه ما زال بعاهته  !

     ‎كان الشغل الشاغل لأولئك المتشرّعين هو "كيف نحمي المرأة ونحوطها برعايتنا؟"، وليس "كيف نجعلها في وضعٍ لا تحتاج فيه لحمايتنا واحتياطاتنا؟". طبعا الطريقة الأولى قائمةٌ على إطلاق أحكام قيمة، كالحلال والحرام، الإباحة والحظْر، يجوز ولا يجوز، بوصفها الأدوات الرئيسيّة للمعالجة، إذ المعوّلُ في إحداث التغيير المنشود كان على الفقه وأحكامه، الشرع الإلهي، ولأنها كذلك -أي تعاليم وأحكام ووصايا-، فهي لا تحاول أن تغيّر في الواقع، إنما تحاول أن تتعامل معه كما هو، حيث تذهب للفرد لتملي عليه ما يجب فعله، ليتلافى الضرر مثلا. بينما الطريقة الثانية قائمةٌ على تحليل الواقع، ورصْد علاقاته، وفهم أسبابه، على اعتبار أن الحلول الناجعة متوقّفةٌ على التوصّل إلى التفسير الموضوعي للمشاكل أو الأضرار، إذ المعوّل على التغيير هنا، هو العلم ومناهجه، لا غير. والهدف هو تغيير الواقع بواسطة فهم قوانينه، لا الاستسلام له كما لو أنه قدر لا يُدفع، أو قدسية لا تقبل بغير الرضوخ. بعبارة أخرى : القضاء على الضرر نفسه، الذي عرفنا بالعلم كيف نشأ وتكوّن، وليس بالتوجّه إلى المتضرّر بالنصح والإرشاد الوعظي.

     تاريخيّا، هذا واضح ومفهوم، ذلك أن ميكانزمات الاجتماع البشري، ودوافع النفس الإنسانيّة، وعلاقة الثقافة بالشخصيّة، وأثر التربيّة والاقتصاد والسياسة على العلاقات الاجتماعيّة، الخ، أي جميع ما يدخل في نطاق بحوث وتحاليل العلوم الإنسانيّة، حيث إن هذا كله لم يُكتشف إلا من وقتٍ قريب، بعد استقرار تلك الأحكام والتقاليد والأخلاقيّات في وعي الناس ووجدانهم بوقتٍ طويل.

     لم يكن معروفا إلا مؤخّرا، أن انحطاط مكانة المرأة، كان نتيجةً لأنماط وأساليب في التربيّة والتثقيف، كثيرا ما انعكست علاقاتُها الجدليّة في الاقتصاد الاجتماعي. بمعنى أن لوضع المرأة مجرد نتيجة لمقدمات. وأنه بالإمكان الارتقاءُ به وتحسينه، بواسطة إجراء تغييراتٍ جذريّة في عمق تلك البنية. لقد اكتشف بعضُ الاقتصاديّين مثلا علاقةً طرديّة نوعا ما، بين ارتفاع مستوى التخضّم وارتفاع نسبة جرائم السرقة، تتمتّع بثبات نسبي، لا تكاد تتغيّر بين مجتمعٍ وآخر، كما اكتشف بعضُ الاجتماعيّين علاقةً ثابتةً نوعا ما، بين احتجاب الشمس الطويل شتاءً وارتفاع نسبة الانتحار، لا تكاد تتغيّر بين مجتمعٍ وآخر. السرقة والانتحار جنايات في حق النفس أو الغير، لكن لها أسباب كامنة يتعذّرُ التغلّب عليها بمجرد التحريم والوعظ أو حتى التجريم والحظر القانوني. بل بمحاولة التحكّم في آليات عمل الاقتصاد للحد من تأثير تقلباتها على محدودي الدخل، أو بالتوصّل لعِقَار يحمي الإنسان من هجمات الاكتئاب الحادّة. بطبيعة الحال، سنظل عاجزين عن عمل شيءٍ لظاهرةٍ ما، ما لم نعرف كيف نشأت واقعيّا. وسنستمر -في حال جهلنا الأسباب الواقعيّة- في إسداء النصائح أو إطلاق الأحكام.

     في ضوء ما مضى، ما الذي ننتظره من امرأةٍ تُربّى على أنها كالجارية التي لا تستطيع أن تعيش إلا في ظل رجل، ويُصاغ وعيُها منذ نعومة أظافرها على أن وظيفتها في الحياة هو الخدمة في بيت ذلك الرجل، بحيث تكون رسالتها في الحياة، هي حصْرا، تدبيرُه والقيام بشأنه ورعاية أطفاله منها، وأنها تقريبا لا تحتاج من العلوم والمعارف والمهارات سوى ما يعينها على أداء واجباتها تلك، الخ. كل هذا سيخرج لنا، في النهاية، امرأةً أقل من الرجل في كل شيءٍ مهم تقريبا، ومن الطبيعي أن تكون بحاجةٍ إليه، لأنها أصلا رُبّيت لتحتاجه وتعيش في ظلِّه، بحكم أنها -صارت- أضعف وأقل منه، تماما كما رُبّيَ ليكون أقوى وأرفع منها. ولأنه خُلقَ ليكون سيّدها، فقد خُلقت لتكون جاريته. هذا هو مؤدّى الثقافة التي تشرّبتها منذ عرفت نفسها ووعت ذاتها. لُقّنتها بوصفها "الفطرة" أو الوضع "الطبيعي"، ورُتّبت علاقاتها، وأُقرّت حقوقها وواجباتها وصِيغ وعيها للتتّسق معه. رُتّبَ الشرعي وأُقيم على الفطري (الطبيعي) المزعوم. ولهذا تجلّى الحيف والمحاباة في تفاصيل الأحكام بين الجنسين، لأنها مؤسّسة أصلا على وضع غير عادل. هذه المسالك والعادات إن أُعطيت مضمونا دينيا، فسيؤدي ذلك إلى حبس المرأة وتجميدها في قالبٍ معيّن، مغلْق، ناقص، يجعل من عدم المساواة حالةً دائمة، لا مرحلة عابرة. أي حكما مؤبّدا لا معالجةً ظرفيّة. ما يدفعنا للقول بأن تلك الأحكام والتشريعات والتقاليد تضعفُ المرأة، من حيث نظن أن تحميها. وتحصّن مركز الرجل، من حيث نظن أن توقفه عند حدِّه !

الثلاثاء، 5 يوليو 2016

ما وراء شيطنة عدنان إبراهيم

     
     ما طبيعة التهديد الذي يمكن لعدنان إبراهيم أن يمثّله للتيار الديني والمحافظ عندنا ؟ أظن الرجل خطرا يتهدد شيئين : أفكار ومصالح .. تبدو الأفكار الواقعة تحت مرماه معروفة وواضحة، إنها مجمل الطريقة التقليدية الامتثاليّة لفهم الدين وتطبيقه. وهي كل ما اشتُهر عدنان إبراهيم بالحديث حوله، بوصفه داعيةً يتأرجح بين الثوريّة والإصلاح. وعندما نتحدث عن التقاليد الراسخة في الفكر والسلوك، فنحن في الواقع نتحدث عن المجتمعات، حيث لا تقاليد مهيمنة بلا سلطة عدديّة تفرض الاتّباع. وبالنظر للتقسيمات التي أملتها استقطابات المرحلة، فنحن نتحدث عن الأغلبية المحافظة، القاعدة الشعبيّة الأهم للتيار الأصولي، التي توفر لرموزه قوّة ضغط كما تدرّ عليهم أرباحا طائلة. بمعنى أنها مصدر نفوذهم وقوّتهم.

     على أرض الواقع، الفكرة الأقوى هي الأكثر قدرةً على كسب الأنصار والمؤيدين، مهما كانت واهيةً من الناحية المنطقيّة أو العلميّة. ويظل أصحابها أقوياء وذوو تأثير في السياسات العامة، ما داموا قادرين على الاحتفاظ بقواعدهم الشعبيّة وافرة العدد، إذ القوّة هنا في العدد. تكمن خطورة عدنان إبراهيم، وكل مصلح ديني حقيقي، في أنه يعمل، بشكلٍ غير مباشر، على حرمان هؤلاء من مصادر قوّتهم، صارفا وجوه الناس عنهم. لأنه يروّج لطريقةٍ لفهم الدين يقع هؤلاء خارجها تماما، طريقة أقرب للعصر وقضاياه وفلسفته، بحيث لو كُتب لها النجاح وانتشرت، لفقدوا جُل أو كل ما يتمتّعون به من سلطة واعتبار وقيمة تتجاوزهم كأشخاص، ويبطل بالنتيجة سحرهم.

     ليس من فراغٍ إذن تلك الحملات المسعورة ضده، والتي ينخرط فيها عددٌ متزايد من الشخصيات والموسسات الدينيّة الرسميّة، تحت عناوين وشعارات مختلفة، ترمي لغرضٍ واحد، هو ضرورة القضاء على المنافس الجديد. وليس التبديع والتكفير سوى أدوات لضبط سوق الفتاوى الدينيّة على مقاسهم، يمارسه المحتكرون ليظلوا متمتّعين بمزايا الاحتكار، أطول وقتٍ ممكن قبل أن تتحطّم سفنهم بأمواج الواقع العاتية، فيما الريح تنفخ في أشرعة عدنان إبراهيم. هل هذا يعني، في التحليل النهائي، أن الوضع عبارة عن مصالح مسيّجة بمقدّسات ؟ ربما. الواقع أن ضحايا كل تغيّر يحدث اليوم، هم جناة الأمس.

الأحد، 26 يونيو 2016

الكوميديان بوصفه رسولا


     في خضم الحديث عن مرامي وغايات الأعمال الكوميديّة التي تهل مع كل رمضان أتساءل إذا ما كانت الكوميديا تفقد معناها خارج الضحك ؟

     الفن للفن والكوميديا للضحك، هكذا وحسب. تمسّح الكوميديا، المبالغ فيه، بشرعية النقد الاجتماعي أصبح ممجوجا، فهي لا تقدّم معلومة ولا ترفع جهلا، فقط تبتكر مفارقات يُفترض بها إثارة الضحك على نطاق واسع، لأنها في النهاية أعمال تتكبّدها مؤسّسة ربحيّة، عينها على جيب المشاهد قبل عقله. وموضوعها قد يكون اجتماعيّا وقد لا يكون. ومؤدّوها -الكوميديّون- قد يكونون مثقفين وقد لا يكونون. لهذا فإنها لا تتكفّل بأي مهمّة معرفيّة/نقديّة، إن اعتبارنا رسالة المثقف معرفيّة/نقديّة.

     البحث عن معنى وغاية وراء الضحك في الكوميديا ينطوي على احتقار للضحك، الضحك لمجرد الضحك، إذ "الضحك من دون سبب -وجيه!- من قلّة الأدب"، ما أوجب البحث عن أسبابٍ أخرى له، فليكنْ إذن في سبيل الإصلاح الاجتماعي، أو بحثا عن الحكمة التي بلغ من عمقها أن سخرت بالحياة، أو غير ذلك.

    نحن نضحك على مشاكلنا بعد أن شخّصها الكوميدي، حيث تهتز الحقائق المتعارف عليها كلما قهقه الناس أكثر. هل هذا صحيح ؟ أعتقد لا. إما لتعدد التأويلات، حيث تغمض على كثيرين "الرسالة" المراد إيصالها. وفي حال وصلت الرسالة، فإن أكثر الضحك منصبٌ على الطريقة التي حُوكي بها الواقع، وليس بالضرورة اقتناعا بأنها مثّلته بأمانة واقتدار.

     يتشارك الجميع تقريبا، منتجين ومستهلكين، لعبة الترفّع عن الضحك المجرّد. فيجري تكريس الكوميدي بوصفه مثقّفا وصاحب رأي، كما يجري تصوير المشاهدين بوصفهم مهتمّين بقضايا الشأن العام، أي مثقفين أيضا، بالتالي لا أحد يضحك من فراغ، سوى السخفاء والجهلة !

     الكوميديا تختزل الواقع، تكثّفه، تعيد تركيبه وبناء علاقاته، ثم تخرجه بشكلٍ مختلف، بحيث يكون مضحكا. ليست أكثر من "نكتة" مجسّدة في عمل مؤسسي. وتضمينها معاني أبعد، أو تزويدها برسالة سامية، أو تحميلها مسؤولية إصلاحٍ ما، ليس أكثر من نزعة يساريّة يُفترض أنها دُفنت في مقبرة السرديّات الكبرى. مجرد إيديولوجيا ترى الأشياء أجزاءً من كل، هو المشروع الذي ينتظم الدولة والمجتمع. وفقا لذلك المنظور الجميع مثقف عضوي، لأنه يحمل رسالة، ويسعى لتحقيق هدف يتعدّى ذاته.

الأربعاء، 18 مايو 2016

اللّعمة !


     يضعفنا الترف وعاداته الرخيّة، ويحدُّ من قدرتنا على البقاء، لأنه يسلبنا القدرة على الصراع من أجله، وهو كما نعرف شرطُ استمرار النوع وتطوّره. إن العيش في ظل الوفرة يقتل منابع القوّة في الإنسان، ويحول دون نمو استعداداته ومواهبه، فتفسد بذوره في تربتها. لا شيء كالتحدّي يدفع الإنسان ليكون أفضل مما هو عليه، فسعيه منفردا وراء متطلبات حياته يعوّده حمل المسؤولية، ويخرجه من حيّز الإمكان لحيّز الوجود.

     لتوينبي نظريةٌ شهيرة، تفسّر نشوء الحضارات بوصفها استجاباتٍ لتحدي، ومتى ما عُدم التحدّي عُدمت الحضارة وامتنع التمدّن. وظلًّ ولعُ الأسر الحاكمة برحلات الصيد مشبوبا منذ القدم لِمَا فيها من مشاقٍّ تصلبُ العود وتطرد عن البدن الرخاوة التي لا تناسب المتأهبين للجلوس على العرش وتقلّد المسؤوليات الجسام، سيما والواحد منهم يطفو فوق بحيرة نعيم توشك أن تبتلع قواه، فتكف مطامحه عن أن تكون علُيا. كما لعله -أي الترف- علّة العلل في كون المجتمعات الخليجيّة هي الأقل انتاجا في كل شيء، إذ الحاجة أم الاختراع.

     الدعة شَرَك قاتل، يعوق الإنسان عن اكتساب ما يحتاجه لمواجهة نقائض الرفاه، وهي كثيرة بقدر ما هي محتملة، ما لعلّه يكشف الوجه الإيجابي للبؤس، حيث آلام الحياة ومتاعبها أمصالٌ لأوبئتها ونكباتها. أقلنا وجعا هو أكثرنا شكايةً إذا أُصيب، ربما لأنه لم يعتدها، أي طارئة، ألهذا يبدو العزاء في القصور أكثر كآبةً واسودادا منه في الأكواخ ؟ لستُ أدري، لكن صرت أخاف من انزعاجي من همود المكيّف لانقطاع الكهرباء أكثر من خوفي أن يطول انقطاعها، وأخاف من تأخر الضربة التي تقويتي مترقّبا التي ستقتلني.

     التعب مدرسة، نظلُّ مسكونين بأميّةٍ ما إذا لم نستكمل فصولها ونأخذ نصيبنا غير منقوص. النعمة هي الوجه الآخر للعنة، فـ "اخشوشنوا، فإن النعمة لا تدوم".