الأربعاء، 31 أغسطس 2016

المرأة .. حقائق العلوم الإنسانية ومورايث الفقه الديني



     ‎
في موروثنا تُحاط المرأة بجملةٍ من الأحكام والتقاليد المتعسّفة، حيث يُفرض عليها أن تحتجب، وأن تبتعد عن الرجل حتى لا يرى فيها -أو يشمُّ !- ما يفتنه. وإن تزوجته كانت له خادما. وإن مات عنها أبوها أخذت نصف نصيب أخيها، تماما كشهادتها التي لا تساوي -في معظم الأحيان- إلا نصف شهادة رجل. وإن مات عنها زوجها هجرت الزينة أربعة أشهر وعشرا. كما لا يجوز أن تسافر إلا مع ذي محرم، وهي مستنثاة من تسنّم المناصب العليا والقيادية، الخ. من الواضح أن المرأة في موروثنا تعاني بشكلٍ دائم ما يسميّه القانونيّون "نقص الأهليّة". هذا إن أردنا أن نتكلّم بصراحة. طبعا لا شك أن الإسلام قد حسّنَ من وضع المرأة مقارنةً بالجاهليّة، وسيّج كيانها بسلسلةٍ من التشريعات الشائكة، التي وإن حمتها بعض الوقت، إلا أنها سجنتها طوال الوقت. نعم، تقدّمت تلك التشريعات بواقع المرأة خطوات، لكنها وقفت عندها، منذ قرون.

‎     أظن أن مشكلة هذه الأحكام والتقاليد والأخلاقيّات أنها كانت حلولا سطحيّةً ووقتيّة جدّا، تعالجُ المظاهر والأعراض وحسب، ولا تنفذُ لعمق المشكلات وأسبابها الكامنة في واقع المرأة، لتقضي عليها قضاءً مبرما، ومن الأساس كما يُفترض. ربما لأنها -أي تلك الأحكام والتقاليد والأخلاقيّات- تنطلق من مسلّمة، وهي أن هشاشة وضْع المرأة وضعف مركزها -أي كونها مرشّحةً دائما أن تكون ضحيّة !- شيءٌ متفق عليه كواقعٍ يتمتع بمكانة الوضع الطبيعي، حالة مستقرة لا تجب مناقشتها، فيما إذا كانت لها أسبابٌ مفهومة، يمكن العمل على تغيير شروطها، أم لا. كما لو أنها أحكام خاصّة شُرعت لمصابٍ بعاهة لا يُرجى شفاؤه منها. وبينما توصّل الطب لعلاجٍ له، فقد بقيت الأحكام الخاصّة به كما هي، بلا أدنى تغيير، يمتثلها هذا المتشافي ببركة العلم، وكأنه ما زال بعاهته  !

     ‎كان الشغل الشاغل لأولئك المتشرّعين هو "كيف نحمي المرأة ونحوطها برعايتنا؟"، وليس "كيف نجعلها في وضعٍ لا تحتاج فيه لحمايتنا واحتياطاتنا؟". طبعا الطريقة الأولى قائمةٌ على إطلاق أحكام قيمة، كالحلال والحرام، الإباحة والحظْر، يجوز ولا يجوز، بوصفها الأدوات الرئيسيّة للمعالجة، إذ المعوّلُ في إحداث التغيير المنشود كان على الفقه وأحكامه، الشرع الإلهي، ولأنها كذلك -أي تعاليم وأحكام ووصايا-، فهي لا تحاول أن تغيّر في الواقع، إنما تحاول أن تتعامل معه كما هو، حيث تذهب للفرد لتملي عليه ما يجب فعله، ليتلافى الضرر مثلا. بينما الطريقة الثانية قائمةٌ على تحليل الواقع، ورصْد علاقاته، وفهم أسبابه، على اعتبار أن الحلول الناجعة متوقّفةٌ على التوصّل إلى التفسير الموضوعي للمشاكل أو الأضرار، إذ المعوّل على التغيير هنا، هو العلم ومناهجه، لا غير. والهدف هو تغيير الواقع بواسطة فهم قوانينه، لا الاستسلام له كما لو أنه قدر لا يُدفع، أو قدسية لا تقبل بغير الرضوخ. بعبارة أخرى : القضاء على الضرر نفسه، الذي عرفنا بالعلم كيف نشأ وتكوّن، وليس بالتوجّه إلى المتضرّر بالنصح والإرشاد الوعظي.

     تاريخيّا، هذا واضح ومفهوم، ذلك أن ميكانزمات الاجتماع البشري، ودوافع النفس الإنسانيّة، وعلاقة الثقافة بالشخصيّة، وأثر التربيّة والاقتصاد والسياسة على العلاقات الاجتماعيّة، الخ، أي جميع ما يدخل في نطاق بحوث وتحاليل العلوم الإنسانيّة، حيث إن هذا كله لم يُكتشف إلا من وقتٍ قريب، بعد استقرار تلك الأحكام والتقاليد والأخلاقيّات في وعي الناس ووجدانهم بوقتٍ طويل.

     لم يكن معروفا إلا مؤخّرا، أن انحطاط مكانة المرأة، كان نتيجةً لأنماط وأساليب في التربيّة والتثقيف، كثيرا ما انعكست علاقاتُها الجدليّة في الاقتصاد الاجتماعي. بمعنى أن لوضع المرأة مجرد نتيجة لمقدمات. وأنه بالإمكان الارتقاءُ به وتحسينه، بواسطة إجراء تغييراتٍ جذريّة في عمق تلك البنية. لقد اكتشف بعضُ الاقتصاديّين مثلا علاقةً طرديّة نوعا ما، بين ارتفاع مستوى التخضّم وارتفاع نسبة جرائم السرقة، تتمتّع بثبات نسبي، لا تكاد تتغيّر بين مجتمعٍ وآخر، كما اكتشف بعضُ الاجتماعيّين علاقةً ثابتةً نوعا ما، بين احتجاب الشمس الطويل شتاءً وارتفاع نسبة الانتحار، لا تكاد تتغيّر بين مجتمعٍ وآخر. السرقة والانتحار جنايات في حق النفس أو الغير، لكن لها أسباب كامنة يتعذّرُ التغلّب عليها بمجرد التحريم والوعظ أو حتى التجريم والحظر القانوني. بل بمحاولة التحكّم في آليات عمل الاقتصاد للحد من تأثير تقلباتها على محدودي الدخل، أو بالتوصّل لعِقَار يحمي الإنسان من هجمات الاكتئاب الحادّة. بطبيعة الحال، سنظل عاجزين عن عمل شيءٍ لظاهرةٍ ما، ما لم نعرف كيف نشأت واقعيّا. وسنستمر -في حال جهلنا الأسباب الواقعيّة- في إسداء النصائح أو إطلاق الأحكام.

     في ضوء ما مضى، ما الذي ننتظره من امرأةٍ تُربّى على أنها كالجارية التي لا تستطيع أن تعيش إلا في ظل رجل، ويُصاغ وعيُها منذ نعومة أظافرها على أن وظيفتها في الحياة هو الخدمة في بيت ذلك الرجل، بحيث تكون رسالتها في الحياة، هي حصْرا، تدبيرُه والقيام بشأنه ورعاية أطفاله منها، وأنها تقريبا لا تحتاج من العلوم والمعارف والمهارات سوى ما يعينها على أداء واجباتها تلك، الخ. كل هذا سيخرج لنا، في النهاية، امرأةً أقل من الرجل في كل شيءٍ مهم تقريبا، ومن الطبيعي أن تكون بحاجةٍ إليه، لأنها أصلا رُبّيت لتحتاجه وتعيش في ظلِّه، بحكم أنها -صارت- أضعف وأقل منه، تماما كما رُبّيَ ليكون أقوى وأرفع منها. ولأنه خُلقَ ليكون سيّدها، فقد خُلقت لتكون جاريته. هذا هو مؤدّى الثقافة التي تشرّبتها منذ عرفت نفسها ووعت ذاتها. لُقّنتها بوصفها "الفطرة" أو الوضع "الطبيعي"، ورُتّبت علاقاتها، وأُقرّت حقوقها وواجباتها وصِيغ وعيها للتتّسق معه. رُتّبَ الشرعي وأُقيم على الفطري (الطبيعي) المزعوم. ولهذا تجلّى الحيف والمحاباة في تفاصيل الأحكام بين الجنسين، لأنها مؤسّسة أصلا على وضع غير عادل. هذه المسالك والعادات إن أُعطيت مضمونا دينيا، فسيؤدي ذلك إلى حبس المرأة وتجميدها في قالبٍ معيّن، مغلْق، ناقص، يجعل من عدم المساواة حالةً دائمة، لا مرحلة عابرة. أي حكما مؤبّدا لا معالجةً ظرفيّة. ما يدفعنا للقول بأن تلك الأحكام والتشريعات والتقاليد تضعفُ المرأة، من حيث نظن أن تحميها. وتحصّن مركز الرجل، من حيث نظن أن توقفه عند حدِّه !

الثلاثاء، 5 يوليو 2016

ما وراء شيطنة عدنان إبراهيم

     
     ما طبيعة التهديد الذي يمكن لعدنان إبراهيم أن يمثّله للتيار الديني والمحافظ عندنا ؟ أظن الرجل خطرا يتهدد شيئين : أفكار ومصالح .. تبدو الأفكار الواقعة تحت مرماه معروفة وواضحة، إنها مجمل الطريقة التقليدية الامتثاليّة لفهم الدين وتطبيقه. وهي كل ما اشتُهر عدنان إبراهيم بالحديث حوله، بوصفه داعيةً يتأرجح بين الثوريّة والإصلاح. وعندما نتحدث عن التقاليد الراسخة في الفكر والسلوك، فنحن في الواقع نتحدث عن المجتمعات، حيث لا تقاليد مهيمنة بلا سلطة عدديّة تفرض الاتّباع. وبالنظر للتقسيمات التي أملتها استقطابات المرحلة، فنحن نتحدث عن الأغلبية المحافظة، القاعدة الشعبيّة الأهم للتيار الأصولي، التي توفر لرموزه قوّة ضغط كما تدرّ عليهم أرباحا طائلة. بمعنى أنها مصدر نفوذهم وقوّتهم.

     على أرض الواقع، الفكرة الأقوى هي الأكثر قدرةً على كسب الأنصار والمؤيدين، مهما كانت واهيةً من الناحية المنطقيّة أو العلميّة. ويظل أصحابها أقوياء وذوو تأثير في السياسات العامة، ما داموا قادرين على الاحتفاظ بقواعدهم الشعبيّة وافرة العدد، إذ القوّة هنا في العدد. تكمن خطورة عدنان إبراهيم، وكل مصلح ديني حقيقي، في أنه يعمل، بشكلٍ غير مباشر، على حرمان هؤلاء من مصادر قوّتهم، صارفا وجوه الناس عنهم. لأنه يروّج لطريقةٍ لفهم الدين يقع هؤلاء خارجها تماما، طريقة أقرب للعصر وقضاياه وفلسفته، بحيث لو كُتب لها النجاح وانتشرت، لفقدوا جُل أو كل ما يتمتّعون به من سلطة واعتبار وقيمة تتجاوزهم كأشخاص، ويبطل بالنتيجة سحرهم.

     ليس من فراغٍ إذن تلك الحملات المسعورة ضده، والتي ينخرط فيها عددٌ متزايد من الشخصيات والموسسات الدينيّة الرسميّة، تحت عناوين وشعارات مختلفة، ترمي لغرضٍ واحد، هو ضرورة القضاء على المنافس الجديد. وليس التبديع والتكفير سوى أدوات لضبط سوق الفتاوى الدينيّة على مقاسهم، يمارسه المحتكرون ليظلوا متمتّعين بمزايا الاحتكار، أطول وقتٍ ممكن قبل أن تتحطّم سفنهم بأمواج الواقع العاتية، فيما الريح تنفخ في أشرعة عدنان إبراهيم. هل هذا يعني، في التحليل النهائي، أن الوضع عبارة عن مصالح مسيّجة بمقدّسات ؟ ربما. الواقع أن ضحايا كل تغيّر يحدث اليوم، هم جناة الأمس.

الأحد، 26 يونيو 2016

الكوميديان بوصفه رسولا


     في خضم الحديث عن مرامي وغايات الأعمال الكوميديّة التي تهل مع كل رمضان أتساءل إذا ما كانت الكوميديا تفقد معناها خارج الضحك ؟

     الفن للفن والكوميديا للضحك، هكذا وحسب. تمسّح الكوميديا، المبالغ فيه، بشرعية النقد الاجتماعي أصبح ممجوجا، فهي لا تقدّم معلومة ولا ترفع جهلا، فقط تبتكر مفارقات يُفترض بها إثارة الضحك على نطاق واسع، لأنها في النهاية أعمال تتكبّدها مؤسّسة ربحيّة، عينها على جيب المشاهد قبل عقله. وموضوعها قد يكون اجتماعيّا وقد لا يكون. ومؤدّوها -الكوميديّون- قد يكونون مثقفين وقد لا يكونون. لهذا فإنها لا تتكفّل بأي مهمّة معرفيّة/نقديّة، إن اعتبارنا رسالة المثقف معرفيّة/نقديّة.

     البحث عن معنى وغاية وراء الضحك في الكوميديا ينطوي على احتقار للضحك، الضحك لمجرد الضحك، إذ "الضحك من دون سبب -وجيه!- من قلّة الأدب"، ما أوجب البحث عن أسبابٍ أخرى له، فليكنْ إذن في سبيل الإصلاح الاجتماعي، أو بحثا عن الحكمة التي بلغ من عمقها أن سخرت بالحياة، أو غير ذلك.

    نحن نضحك على مشاكلنا بعد أن شخّصها الكوميدي، حيث تهتز الحقائق المتعارف عليها كلما قهقه الناس أكثر. هل هذا صحيح ؟ أعتقد لا. إما لتعدد التأويلات، حيث تغمض على كثيرين "الرسالة" المراد إيصالها. وفي حال وصلت الرسالة، فإن أكثر الضحك منصبٌ على الطريقة التي حُوكي بها الواقع، وليس بالضرورة اقتناعا بأنها مثّلته بأمانة واقتدار.

     يتشارك الجميع تقريبا، منتجين ومستهلكين، لعبة الترفّع عن الضحك المجرّد. فيجري تكريس الكوميدي بوصفه مثقّفا وصاحب رأي، كما يجري تصوير المشاهدين بوصفهم مهتمّين بقضايا الشأن العام، أي مثقفين أيضا، بالتالي لا أحد يضحك من فراغ، سوى السخفاء والجهلة !

     الكوميديا تختزل الواقع، تكثّفه، تعيد تركيبه وبناء علاقاته، ثم تخرجه بشكلٍ مختلف، بحيث يكون مضحكا. ليست أكثر من "نكتة" مجسّدة في عمل مؤسسي. وتضمينها معاني أبعد، أو تزويدها برسالة سامية، أو تحميلها مسؤولية إصلاحٍ ما، ليس أكثر من نزعة يساريّة يُفترض أنها دُفنت في مقبرة السرديّات الكبرى. مجرد إيديولوجيا ترى الأشياء أجزاءً من كل، هو المشروع الذي ينتظم الدولة والمجتمع. وفقا لذلك المنظور الجميع مثقف عضوي، لأنه يحمل رسالة، ويسعى لتحقيق هدف يتعدّى ذاته.

الأربعاء، 18 مايو 2016

اللّعمة !


     يضعفنا الترف وعاداته الرخيّة، ويحدُّ من قدرتنا على البقاء، لأنه يسلبنا القدرة على الصراع من أجله، وهو كما نعرف شرطُ استمرار النوع وتطوّره. إن العيش في ظل الوفرة يقتل منابع القوّة في الإنسان، ويحول دون نمو استعداداته ومواهبه، فتفسد بذوره في تربتها. لا شيء كالتحدّي يدفع الإنسان ليكون أفضل مما هو عليه، فسعيه منفردا وراء متطلبات حياته يعوّده حمل المسؤولية، ويخرجه من حيّز الإمكان لحيّز الوجود.

     لتوينبي نظريةٌ شهيرة، تفسّر نشوء الحضارات بوصفها استجاباتٍ لتحدي، ومتى ما عُدم التحدّي عُدمت الحضارة وامتنع التمدّن. وظلًّ ولعُ الأسر الحاكمة برحلات الصيد مشبوبا منذ القدم لِمَا فيها من مشاقٍّ تصلبُ العود وتطرد عن البدن الرخاوة التي لا تناسب المتأهبين للجلوس على العرش وتقلّد المسؤوليات الجسام، سيما والواحد منهم يطفو فوق بحيرة نعيم توشك أن تبتلع قواه، فتكف مطامحه عن أن تكون علُيا. كما لعله -أي الترف- علّة العلل في كون المجتمعات الخليجيّة هي الأقل انتاجا في كل شيء، إذ الحاجة أم الاختراع.

     الدعة شَرَك قاتل، يعوق الإنسان عن اكتساب ما يحتاجه لمواجهة نقائض الرفاه، وهي كثيرة بقدر ما هي محتملة، ما لعلّه يكشف الوجه الإيجابي للبؤس، حيث آلام الحياة ومتاعبها أمصالٌ لأوبئتها ونكباتها. أقلنا وجعا هو أكثرنا شكايةً إذا أُصيب، ربما لأنه لم يعتدها، أي طارئة، ألهذا يبدو العزاء في القصور أكثر كآبةً واسودادا منه في الأكواخ ؟ لستُ أدري، لكن صرت أخاف من انزعاجي من همود المكيّف لانقطاع الكهرباء أكثر من خوفي أن يطول انقطاعها، وأخاف من تأخر الضربة التي تقويتي مترقّبا التي ستقتلني.

     التعب مدرسة، نظلُّ مسكونين بأميّةٍ ما إذا لم نستكمل فصولها ونأخذ نصيبنا غير منقوص. النعمة هي الوجه الآخر للعنة، فـ "اخشوشنوا، فإن النعمة لا تدوم".

السبت، 14 مايو 2016

أرقام العمر


     للزمان وحدات قياسية متعارف عليها عالميّا (ثانية، دقيقة، ساعة، يوم، الخ) مثلما للمكان وحدات قياسية متعارف عليها عالميّا (ملم، سم، م، كلم، الخ)، مربعا للأسطح، مكعبا للأحجام، وهكذا، حتى تتداخل الأشياء وتتعقّد بالتالي طرائق قياسها، كما إذا تداخل الزمان والمكان والحركة، فلقياسها نحتاج إجراء معادلات، حيث المسافة هي حاصل ضرب السرعة في الزمن، والسرعة هي نتيجة قسمة المسافة على الزمن، وهكذا، في المعادلات الأكثر تعقيدا لقياس أشياء أكثر تعقيدا، ربما حتى يضمحل تفكيرنا في غياهب الوجود.

     أظن أن عمر الإنسان من تلك الأشياء المعقّدة، التي لا بد لقياسها من إجراء معادلةٍ ما. لكن قبل ذلك من الضروري التساؤل عمّا ينبغي قياسه، إذا ما كان -مثلا- المدّة الزمنيّة التي يقضيها الإنسان وهو لا يزال على قيد الحياة، وعليه يكون العمر قياسا للزمن، أم أنه قياس لمدى صلاحيّته للبقاء على ما يُرام، وعليه يكون العمر قياسا للجسد، ذلك أن موضوع الصلاحية من عدمها، هو الجسد حصرا، ولأن الشيخوخة وصف عام لتراجع الصحة.

     بعبارة أخرى، إذا كان العمر تأريخا، فلأي شيء بالضبط، أهو منصبٌّ على الماضي (مدّة بقاء جسد حتى الآن) أم هو استشراف للمستقبل (المدّة المتوقّعة لبقاء جسد) ؟ إذ للعمر دلالة باتجاهين : ماضٍ ومستقبل. لأن سؤال (كم أمضيت في الحياة ؟) ينطوي على توقع استشرافي (كم سيبقى لك فيها ؟)، كلاهما وجهان لعملةٍ واحدة : العمر. يتمحور الإشكال إذن حول الجسد، وهو ما يجب أن يكون المسطرة الأكثر دقة لقياس العمر

     في واقع الحياة، كم وجدنا عشرينيّا على هيئة ثلاثيني، وثلاثينيّا على هيئة أربعيني، الخ، والعكس أيضا، ليس شكلا وحسب، بل وعقلا. الجهاز النفسي برمّته. وهي ظواهر معروفة، تُفسّر عادةً بالعوامل المتحّكمة بالمعيشة (جغرافيا، اقتصاد، اجتماع، الخ)، فتعجّل أو تبطّىء من نضج الشخص أو احتراقه، ما سيجعل من اعتماد الزمن وحده معيارا لقياس العمر إشكالية، حيث الفروق الفرديّة ظاهرة للعيان، تفسيرها بالجينات والمحيط.

     وما دام أن مفعول الزمن في الأجساد يختلف من شخصٍ لآخر، أي من تجربة لأخرى، فيجب مراجعة هذا المعيار الظالم بمساواته بين المختلفين، خصوصا وقد أصبحت محافظة الإنسان على شبابه داخلةً في نطاق الإرادة البشريّة، مع تطوّر الطب وتقنيات الرياضة الصحيّة ومتعلقاتها؛ من أنظمةٍ غذائيّة وأساليب عيش ونحو ذلك. بمعنى أن عمر الإنسان أصبح اليوم ثمرة كدٍ وتعب، فمن الإجحاف تعميم الجميع برقمٍ واحد.

الثلاثاء، 10 مايو 2016

شاركنا هبالتك


     مع تطور التقنية وتناسل برامج التواصل الاجتماعي، بنسخها المتعدّدة، أصبحت الحياة الخاصة مهدّدة من الداخل، أي بأيدي أصحابها. وأخذت الحساسيّة ضد التطفّل والمتطفّلين تتبلّد كلما اتّسعت المساحات الشخصيّة المباحة بشكلٍ طوعي لتطبيقات التصوير بأنواعها، عندما تحوّل اليومي إلى موضوعٍ للحفظ والتوثيق والأرشفة كما لو أنه حدثٌ لا يتكّرر ! واستتبع التساهل في التصوير تساهلا في التصريح والثرثرة، فأدمن البعض الظهور حدَّ التعرّي، وأدمن آخرون الفُرْجة حدَّ الخرس.

     إن انتشار موضة "شارك الآخرين لحظتك" جعل الفضولي المتلصص كائنا مهدّدا بالانقراض حقيقةً. ليعيش، يحتاج الفضولي غابةً من الخصوصيات، ذلك هو وسطُهُ الحيوي وبيئته الطبيعيّة. لكن بعد أن هوى جدار الخصوصيّة الشخصيّة تحت كاميرات ومايكات تلك البرامج والتطبيقات (آخرها السنابشات، الأكثر فهاوةً وعبطا)، تبعه -في التداعي والسقوط- هرمُ العلاقات الشخصيّة وطابعها الطبقي، الذي تتحدّد ،بناءً عليه، أنواع وأصناف من الموضوعات والأحاديث، تتناسب وكل طبقة. من يخلط بين الطبقات، فيغرف للجميع، غرباءً وأصدقاء، من ذات الإناء والملعقة، ويحدّثهم بذات الطرائف والقصص والأساليب كما لو أنهم، جميعا، خلصاء أصحابه، مسقطا علّة كل أشكال الارتباط الحميمي بين البشر : التمييز. فنحن إذن بإزاء مرضٍ نفسي لم يُكتشف حتى الآن ! بل وأجروء على القول بأن أكثر -إن لم يكن كل- مشاهير هذه البرامج مرضى نفسيّين.

     أسوأ ما تزرعه فينا تلك البرامج ليس الرياء والتصنّع والمباهاة، بل إنه الولعُ بتتبع الآخرين وإدمان تفاهاتهم، وحرماننا حتى من حقنا في ارتكاب التفاهة، حيث استُعيض بمشاهدتها عن ممارستها فعليّا. ومتى ما بلغ الإنسان هذه الدرجة، فهو خارج الحياة حقيقةً، بكل ما تعنيه الحياة من حسٍّ وحركة وتذوّق.

السبت، 2 أبريل 2016

ماجد برمنده (إني أتّهم !)


     من المؤسف أن ما جرى لماجد برمنده ليس سابقة من نوعها، فكما حصل مرارا مع آخرين، لقي الرجل حتفه على يد رجال أمن. جدير بالذكر أنه -باعتراف الناطق الرسمي لشرطة مكّة- لم يكن مسلّحا.

     أعتقد أن التقيّد بنصوص نظام الإجراءات الجزائيّة في التعامل مع هكذا حوادث لا يمكن أن يفضي للوفاة المقبوض عليه، أين الخلل إذن ؟

     مهما يكن الاختلاف في تفاصيل القصة، هنالك حالة وفاة تستدعي، أقل ما تستدعي، إجراء تحقيق نزيه وعاجل قبل أن تتسمّم الأجواء أكثر، حيث هنالك اشتباه قوي بوقوع جريمة قتل. لا نماري في خطأ ماجد في تدخّله في عمل رجال الأمن، لكن من الصعب اعتبار سقوطه قتيلا بعد عراك بالأيدي معهم حادثا عرضيّا. ولقد وثّقت الصور عصيّا كهربائيّة بيد عناصر الأمن المحدقين بالجثّة، بعد أن أوسعوه ضربا. كما وثّقت الصور أيضا ماجد محاطا بعدد من رجال الأمن وقد أطبق أحدهم يديه على رقبة ماجد، وهذا ما يجب التوقّف عنده مليّا.

     بعد أن اختارت شرطة مكّة الوقوف خلف منسوبيها وتبنّي روايتهم بالكامل، لا أعرف إن كان ملف القضية سيُغلق أم لا، لكن لون بشرة القتيل وانتماء الجناة لجهاز محصّن ضد النقد يجعلني أتشاءم.

     استوقفتني كثيرا سلبيّة المثقّفين والكتّاب وكأن الموضوع أقل من أن يعلّق عليه ولو بتساؤل بريء عن ملابسات موت إنسان، هل ضحايا الهيئة هم وحدهم من يستحقون المساندة ؟ هل التشكيك في رواية شرطة مكّة ستضعهم في مواجهة مع الدولة مثلا ؟ من المفارقة أن ولادة المثقفّين كطبقة أو شريحة كان بسبب قضية من هذا النوع، هي قضية درايفوس، عام 1894 عندما نهض زولا، في بيانه الشهير "إني أتّهم"، لحمل تلك القضيّة على عاتقه كما لو أنها قضيّته شخصيّا. بذلك تصدّعت الأبراج العاجيّة عن المثقّفين، ليسلكوا الطريق الذي افتتحه زولا بابتكاره ما اصطُلح على تسميته "قضيّة رأي عام"، وهي مظالم خاصّة لم يجد ضحاياها لهم نصيرا سوى الضمير الحي، الذي يتولّى المثقّفون بأقلامهم وخزه وإيقاظه في نفوس عموم الناس، وبقوّتهم مجتمعين يُعدل الميزان الذي أماله المتنفّذون في الدولة، أيّة دولة.

     يجب أن يُنظر للمستضعفين كثقوب وفجوات في المعمار الاجتماعي، كثرتها تهدد البناء بالسقوط على رؤوس الجميع، الكبيرة والصغيرة.

     على أيّة حال، أفهم دوافع أمريكا في رفضها التصديق على المعاهدات الدوليّة التي قد تفضي لوقوع جنودها تحت طائلة القانون الدولي، إذ من شأن هذا أن يحد من نشاطاتها العسكريّة العابرة للقارات. لتكون حركتها سلسة، يجب أن يظل جنودها محميّين قانونيّا ومحقونين إيديولوجيّا، لكن هل لاستحضار الهواجس الأمريكيّة علاقة بحادثة ماجد برمنده ؟ أترك ذلك لاجتهاد القاريء، فقط أشير إلى أنه من المعروف أن أجهزة الأمن أقوى ما تكون في الأنظمة البوليسيّة المغلقة.